أيار 16th, 2009
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
في الخامس مِنَ الشهر الجاري، أعلنت "مملكة البحرين" إلغاء العمل بـ"نظام الكفيل". ولولا جواز حمل لفظة "النظام" على الفوضى، التي هي ضربٌ مِنَ "النظام"، على ما زعم أحدهم، (بحسبان أنّ السابح في الفوضى يجري على "نظام" لا قِبَل للناظر إليه مِنْ خارج أنْ يعقله أو يتدبّره)؛ لولا ذلك، إذاً لما صحّ سَوْقُ اللفظتين ("النظام" و "الكفيل") في سياقة واحدة ومتّصلة.
فـ"الكفيل" أو "نظامه"، والأدق القول فوضاه، قد يشبه كلّ شيء وأيّ شيء، ما خلا "النظام"، إلّا إذا حُمِل هذا على الفوضى، على ما مرّ للتوّ. فما يُسمّى "الكفيل"، السائد في بلدان الخليج دون ممالك الله وأصقاعه، يحاكي، في أضعف القول وأيسره، الإقطاعَ الأوروبيّ البائد مِنْ غير أن يقتفي أثره؛ فهذا كان يوفّر الحماية لطبقة الفلّاحين، لقاءَ عمل هؤلاء في مزارع النبلاء، فضلاً عن تمتّعهم بحقّ التملّك، على حين يُحرَم العامل في الخليج مِنْ حقّ الحماية؛ فلا حقّ له في قضاء يقضي له حقّه، ولا قانون يلجأ إليه دفعاً لإجحاف يلحق به. وإلى هذا، يغرف "نظام الكفيل" مِنْ مَعينيّ العبوديّة الأميركيّ والجاهليّ مِنْ غير أنْ يتسمّى باسمهما. فـ"فضيلة" هاتين العبوديتين (إذا جاز الكلام عن "فضائل" في معرض الرذائل هذا)، أنّهما كانتا تجهران ارتكاباتهما على رؤوس الأشهاد مِنْ غير تزوير ولا تجميل، وتسمّيان السيّدَ سيّداً والعبد عبداً، حين العبوديّة المعاصرة تكنّي عن الأسماء بغير أسمائها؛ فتسمّي السيّد الراتع في ساديّته كفيلاً على نحو ما تكنّي عن العبد بـ"المكفول".
وحَمَلَ إعلانُ البحرين إلغاءَ "نظام الكفيل" كثيرين، في طول العالم العربيّ وعرضه، على الفرح والحبور، وربّما الاحتفال. والاحتفال هذا مداره على الحريّة؛ فهي الكلمة الوحيدة التي قد تؤدي عن الحال هذه والعبارة عنها. والحريّة، على ما تُجمع العقول السويّة، هي الركن أو الأساس الذي لا يستوي المرء امرءاً مِنْ غيره. فهي تكاد تكون بديهة البديهيّات. فكيف ساغ أنْ يُحتفَل بتحقيق هذه البديهة، حين هي وحيث هي بديهة؟ لعلّ مردّ ذلك إلى أنّ "الحكومات" (أي العصبيّات المستولية)
المزيد
كانون الأول 1st, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
إذا نزلت نازلة بالفلسطينيّين، أو إذا حلّت بهم نكبة مِنْ تلك النكبات المعتادة، ألحّ ذلك في التداعي والتنادي للتضامن معهم مِنْ قِبَل “الأخوة” و “الأشقّاء”، بحسب “اللغة” الشائعة والسائرة. ويقتصر التضامن هذا على الوجه الإعلاميّ. فيُجْمع “العرب” (أي قناة الجزيرة و “الشوارع” العربيّة) على أنّ النكبة التي تحلّ بغزّة، هذه الأيّام، سببها عدوّ شرّير عفوّ الطبع. والإجماع هذا، في معظمه، تلفزيونيّ. وهو، إلى ذلك، يحظى برضا فلسطينيّ غير منكَر. وعلى هذا، تنزل الصورة التلفزيونيّة (والصحافيّة على قدر أقلّ) مِنَ الحادث الجسيم، منزلةَ القلب والركن. فتتوارى الصورة السياسيّة خلف الصورة التلفزيونيّة، وتحلّ الثانية محلّ الأولى، وتتستّر عليها، وربّما تلتهمها.
ويحسَب ناشرو الصور العظيمة ومذيعوها والمعلّقون عليها، أي صور الفلسطينيّين الواقعين تحت المعاناة والحصار الإسرائيليّ، أنّ في وسع الصورة قولَ ما لا يقدر الكلام المكتوب على قوله أو روايته. وهم يحسَبون، مِنْ وجه آخر، أنّ الكلام على الصورة، أي الألفاظ الملحميّة المصاحبة لها، أفعال وحوادث تسعى، شأنها شأن عصا موسى. ولكنّهم يغفلون عن أنّ الصورة ثابتة وجامدة، ودأبها إيقاف الزمن في لحظة لا ماضيَ لها ولا مستقبَل. فالصورة لا تروي الواقعة أو الحادثة رواية معلّلة، ولا تُخبر عن أوقاتها المتواترة، بل تستلّ إحدى لحظات الزمن المتّصل (والزمن لو لم يكن متّصلاً إذاًَ لما كان زمناً)، وتثبّتها وتبدي فيها وتعيد.
وهذه كلّها قد لا تكون ناجمة عن الغفلة، إنّما هي “سياسة” تكاد تقوم مقامَ السياسة الحقيقيّة. فتعظيم الصور وإعلاؤها، ولاسيّما تلك المفعمة بالجزع والتوجّع والاستفظاع، يُعفي أهلَ الصور والنافخين في رمادها (حقيقةً ومجازاً)، مِنَ التدبّر في أصل الصور وفصلها، وفي مبتدأها ومبعثها؛ فهذه، أي الأصل والفصل والمبتدأ والمبعث، تحيل إلى ا
المزيد
تشرين الثاني 9th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
تطلّ بين الحين والحين، “كتابات” يحسَبها أصحابُها مقالات. ويماشيهم على حسبانهم هذا زملاء وأصحاب وقرّاء. وتنحو الكتابات هذه منحى مذهب عتيق (متجدّد) مِنْ مذاهب القول. والمذهب هذا هو المديح. وعلى خلاف الشاعر العربيّ القديم، الذي كان يَقْصر مديحه على أهل القوّة والسلطان، طمعاً في مكسب أو مربح؛ لا يَقْصر مدّاحو هذا الزمان مديحَهم على أهل القوّة والغلبة، بل يمدّونه إلى أشباههم وزملائهم. ولا يلبث الشبيه أو الزميل أنْ يردّ المديح للمدّاح الأوّل بأحسن منه. ولكنّ المديح المعاصر ينهج نهجاً لم يُبْلَغ إليه مِنْ قبل. والنهج هذا لا يتورّع عن تشبيه الممدوح بمن “ليس كمثله شيء”، أي بمن نهى الدِّين عن التشبيه به.
فإذا وقف المدّاح بباب الممدوح، تواضعَ متلعثماً (أو تلعثمَ متواضعاً). ومصدر تلعثمه وتواضعه، في زعمه، هو عسر الإلمام أو الإحاطة بمناقب ممدوحه ومآثره؛ فهذه، على ما ينبغي الإقرار، تتعالى على الإحاطة وتعصى الإحصاء. وربّما كان مصدر التلعثم والتواضع، الحقيقيّ، هو إقرار المدّاح بالتهافت الذي يضمره مديحُه (أو يضمره مديحَه). وفي ما يشبه ردّ “التهمة” عن سعي الممدوح في طلب المديح، يبتدئ المدّاح كلامَه بنفي معرفته الممدوحَ، ونفي سعيه (سعي الممدوح) في “الشهرة”. فهو “مِنَ الرجال القلائل الذين يقدّمون العمل على الكلام، ويعملون بصمت ومِنْ غير ضجيج”.
ويحمل المدّاح صنيعَه على “الإنصاف”. فهو يرى أنّ ممدوحه تعرّض لـ”الظلم”. ولكنّه يغفل، في الأثناء، عن أنّ مديحه ربّما يكون هو الظلم الحقيقيّ. فهو يكتب في ممدوحه مِنَ اللطائف والطرائف والمضحكات ما يندى له جبينه وجبين الممدوح وجبين القارئ، معاً وجميعاً. والضحك الذي يستثيره مديحُ المدّاح هو على شاكلة الضحك الذي يستثيره مهرّج السيرك، الذي يتوجّه على الجمهور بطرائف وأفعال يعرف أنّها كذب خالص، على نحو ما يعرف الجمهور أ
المزيد
تشرين الأول 24th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
الأزمة الماليّة العالميّة التي ابتدأت بالولايات المتّحدة، معقل الرأسماليّة الأكبر والأعظم، وسرت عدواها في معظم دول العالم سريان الداء وفشوّه في الجسد؛ الأزمة هذه، تبعث على التدبّر في أصول استترت –ربّما- خلف حُجب كثيفة مِنَ الأخبار والأرقام والأسعار والمؤشّرات والحسابات والأرصدة والاحتياطيّات. وتناولُ الأصول هذه، أو تدبّرها، قد يدفع للزعم بأنّ الرأسماليّة “المتوحّشة” وجهٌ مِنْ وجوه الاشتراكيّة. ولعلّ الوجه هذا هو مناط الاشتراك بين المذهبين الاقتصاديّيْن المشهوريْن. ومناط الاشتراك هو نفيُ أصلٍ مِنْ أصول الحياة وعِلّةٍ مِنْ عِلل دوامها. وأصل الحياة هو التفاوت، والاختلاف هو عِلّة دوامها. فالناس، إذا تساووا وتشابهوا وتناظروا، وأقاموا على صورة واحدة، ومثالٍ واحد، ونظامٍ واحد، ولسانٍ واحد؛ هلكوا وماتوا.
ولكنّ التفاوت، في هذا المعرض، هو في أحوال التمدّن والاجتماع، وليس في العدل والإنصاف الذيْن يساويان بين البشر، بما هم إنسٌ يعيشون ويسعون ويحيون في عالم مشترك. والتفاوت، مِنْ وجه آخر، هو ضربٌ مِنَ “المساواة”. فالمساواة، هنا، هي بين الأشياء الكثيرة والمختلفة. واختلافها ليس فوضى، بل هو النظام للكلّ. والنظام هذا هو مسوّغ جعلُ المساواة ضرباً مِنَ التفاوت. والمساواة، إلى ذلك تستولد الكثرةَ وتبثّ فيها الوجود. فاختلاف الناس في الأعمال والأحوال، وانفراد كلّ واحد منهم بصنعة، واشتراكهم في حاجتهم بعضهم لبعض؛ تُحْدِث (أي الاختلاف والانفراد والاشتراك) نظامَ الاجتماع الإنسيّ. والمدينة هي قِوام الاجتماع. ومعراج الاجتماع إلى المدينة هو اختلاف آحاد المجتمع. فلمّا كان الإنس مدنيّين بطبائعهم، أي يحتاج كلّ واحد منهم إلى الآخر؛ وجب أنْ يكونوا متفاوتين ومفترقين ومختلفين. فإذا فارقَ واحدُهم الآخرَ، بعدما اغتنى، وتسامى إلى عليائه غيرَ محايث، آذنَ ذلك بالن
المزيد
تشرين الأول 4th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
باسم عوض الله، الموظّف الرسميّ المتعدّد الوجوه والأدوار والمناصب، والشابّ البادي البشاشة والتهذيب، صاحب الوجه الطافح فتوّةً وعصريّةً وتأنيثاً (مِنْ غير حمل المعنى على “الأنوثة” السائرة والشائعة)، المهجّن والمختلط والمستعجم، الراطن بإنجليزيّة ذات لكنة أميركيّة، كثير الترحال والهجرات، المنشب في الآفاق والجهات، المتسربل بـ”بدلة غربيّة أنيقة” (يا للهول!)، المُمسك عن ردّ دعاوى خصومٍ يعصون العدَّ ويمتنعون مِنَ الإحصاء، وزير التخطيط السابق، فوزير الماليّة مِنْ بعد، وأخيراً (قد يكون “آخراً” هذه المرّة) رئيس الديوان الملكيّ المُقال أو المستقيل (أو في منزلة بين المنزلتيْن)؛ باسم عوض الله هذا، أسطورة صنعها أطفالٌ بلغوا مِنَ العمر عتيّاً.
وبلوغ الطفل مِنَ العمر عتيّاً، خُلْف لا يكون، ولا يصير، وربّما مُحال أو مستحيل، ولا يستقيم في ميزان الفهم “المنطقيّ” إلّا إذا حُمِلَ على تأويل مجازيّ؛ ولكنّه (البلوغ) في أحيان قليلة، قد لا يَبْعُد أنْ يكون ويصير. والأحيان هذه، هي أحيان الحوادث العظيمة، على مثال الانتصارات الإلهيّة، أو خروج المهدي المنتظر مِنْ غيبته وسباته، أو ظهور الأعور الدجّال وصاحب الزمان، أو تَدافُع “يأجوج ومأجوج” بالمناكب والأقدام يأكلون الأخضر واليابس، أو إزجاء “الحزب الطليعيّ” الاشتراكيّةَ لـ”الطبقة العاملة”، وتَبلور هذه في “صيرورة وطنيّة” تنير لها “وعيها الطبقيّ”، أو هزيمة “الشيطان الأصغر”، وهو موضوعيّاً وتعريفاً “الكيان الصهيونيّ”، إيذاناً بهزيمة “الشيطان الأكبر”، أي الولايات المتّحدة.
ففي مثل هذه الأحايين، أي الأوقات الملحميّة أو القَصَص الأسطوريّ والبطوليّ؛ قد يجوز أنْ يستحيل الطفل كهلاً، والكهل طفلاً. فيسَعُ مَنْ لم يكتبوا في حياتهم كلّها سوى مقالة واحدة، هي المقالة التقدّميّة، التي فحواها صراع “أبديّ” بين الحقّ (هم) والباطل (الآخر، كلّ آخر)؛ يسَعُهم أنْ ينسبوا الأساطير لموظّف حكوميّ ذي طاقة خرافيّة على “التفكيك” و “البيع” و “التغوّل” و “الاتّجار بالبشر”. فهو ال
المزيد
تشرين الأول 1st, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
أيلول 24th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
كأنّ أهل “اليمن السعيد” ضحايا مرّتين، مرّةً حين “قاوموا” الاستعمار فلم يختلطوا بالعالم المشترك ولم يستعجموا أو يتهجّنّوا، فأقاموا محصّنين في ديارهم وخلف أسوارها المنيعة؛ ومرّةً حين غدا بلدهم “السعيد” مستقَرّ “القاعدة” ومستودعها، ومناخاً أناخت فيه وعليه خلاياها المتيقّظة و “النائمة”، والكامنة فيه كمونَ النار في العود.
ولعلّ عقدة كراهية العالم “الغريب” المختلط والمشترك والمهجّن والمستعجم، لا تزال تستوطن اليمن لا تبرحه. فـ”أبو غيث اليماني”، الناطق باسم “منظّمة الجهاد الإسلاميّ في اليمن”، في ختام “تبنّيه” النائبة التي نابت السفارةَ الأميركيّة بصنعاء (في 17 أيلول 2008)؛ لم يوارب في جهر ضغينته على كلّ ما هو “غريب” ومهجّن في أرض اليمن، ومِنْ غير تمييز بين “الأخوة” العرب (على ما ترطن “الأدبيّات” العربيّة و”الإسلاميّة”) وبين “الكفّار”؛ فهو هدّدّ بمواصلة الهجمات على المصالح الغربيّة والسفارات البريطانيّة والسعوديّة والإماراتيّة. وشرطَ كفّ يده ويد جماعته عن هؤلاء أجمعين بشرط الإفراج عن “إخواننا (”إخوانه”) المعتقلين خلال 48 ساعة”. وأردف تهديده باغتيال “شخصيّات كبيرة في الدولة”.
وجمعُ صاحبنا السفاراتِ الغربيّة والعربيّة، وسَوْقُها في سياقة واحدة ومتّصلة، وإلحاقُه “شخصيّات كبيرة” مِنَ الأهل والعشير؛ تكنّي (أي الجمع والسَّوْق والإلحاق)، بل تصرّح باستواء العالم فسطاطين متقابليْن لا سبيل إلى التقائهما أو لقائهما. ولا ريب في أنّ “السياسة” في هذين الفسطاطين ممتنعة، إنْ لم تكن مستحيلة. ومهلة الـ 48 ساعة، أي الشرط غير القابل للاستئناف أو الاستدراك أو الطعن أو المفاوضة أو ا
المزيد
أيلول 12th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
يحسَب المرءُ السويّ أنّ حادي الكاتب أو سائقه الذي يحدوه أو يسوقه للكتابة، هو قولُ قولٍ جديد أو مُحدَث، لقارئ يسعى في المعرفة. ولا يقدح في الحسبان هذا كونُ “المعاني ملقاة على قارعة الطريق”، يسع الرائحون والغادون الغرفَ منها والعبارة عنها. فهي، (أي المعاني) لئن كانت ملقاة على الطريق أو على قارعتها؛ بقيَ أنّ غالبيّتها مكنونة ومستورة وثاوية في صدور الناس ومتصوَّرة في عقولهم ومتخلّجة في نفوسهم؛ فتحتاج إلى مَنْ يُحييها ويبعثها مِنْ مثاويها، مِنْ طريق ذكرها واستعمالها وإعمالها والخبر عنها واستيفائها أصولَ نقلها وعقلها. وهذا هو “الجديد”.
فإذا “ألّفّ” امرؤ طبيبٌ، ساكناً ومطمئناً، “كتاباً” ينقض مزاعم “الكيان الصهيونيّ” ويفنّدها، ويكاد لا يضيف كلمة جديدة واحدة على رأي “الأمّة” و “الصحافة” في الكيان هذا؛ لم يحل ذلك دون احتفاء أهل الرأي والفتوى الصحافيّة بـ”الكتاب” الساعي في “تفكيك” المقالة “اليهوديّة”. والحقّ أنّ الاحتفاء هذا ليس احتفاءً بصنيعٍ حادث أو جديد، بل هو احتفاء نشوة وانتشاء. فكتاب السيّد كامل العجلوني، الموسوم بـ”قبول الآخر في اليهودية…”، يماشي مزاعم الصحافة ولا يخرج عن مقالة “الأمّة”، ولا يحيد عن القَصص العاميّ الذي يحمل “الكيان الصهيونيّ” على الشرّ الأبديّ؛ فهو يغرّد داخل السرب، ويحاكي تغريدَ طيور السرب وعصافيره مِنْ غير عُجمة ولا نشاز. وعلى هذا، فالمحتفون بـ”الكتاب” إنّما يحتفلون بقناعات هي في صُلب عقولهم وأفهامهم. فجاء “الكتاب” لـ”يقنعهم” بما هم مقتنعون به أصلاً، ويطمئنهم إلى ما هم مطمئنون إليه ابتداءً. فلمّا تحقّقّ لهم ذلك، انتشوا نشوةَ مَنْ تحلو له الصورة المتصوَّرة أو المتوهّمة في ذهنه.
وقد لا يكون هذا كلّه الداعي الوحيد على النفرة مِنَ “الكتاب” والازورار عنه؛ إنّما داعي النفرة والازورار (والخيبة؟) هو بعث الأهومة والأخيلة التي لا سند لها عقليّا ولا مَصْدق. فالقول إنّ “قبول الآخر في اليهوديّة ليس إلّا سراب”، يستأنف تقليداً عربيّاً “تاريخيّاً” يجوهر الأشياء والحوادث. والتقليد هذا لا يرى إلى العالم بما هو دول وأفراد وسياسات، إنّما جوهر ناجز مِنْ غير صورة ولا مادّة ولا عرَض ولا هيولى. وإذا بسياسات “الكيان الصهيونيّ” م
المزيد
أغسطس 26th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
في الأردن، وفي الأردن فقط، ودوناً عن ممالك الله وأصقاعه، يُندَّد بالاستثمار. والمندّدون بالاستثمار على صنفين. ويندّد أهل الصنف الأوّل بالاستثمار بما هو استثمار أو مِنْ حيث هو استثمار، أي “مِنْ حيث المبدأ”، إذا جاز الحديث عن “مبدأ” في هذا المعرض. ويلبس “المبدأُ” هذا لباساً أيديولوجيّاً؛ “يساريّا” تارةً و”وطنيّاً” طوراً. فيدعو أهلُ الصنف هذا الناسَ إلى الدوران يساراً (”إلى اليسار دُرْ”)، مِنْ غير خجل أو اعتذار عن هذا القول الحربيّ العسكريّ، مِنْ وجه، والآمر الناهي المنتشي بأمره ونهيه، مِنْ وجه آخر. والمندّدون بالاستثمار، مِنَ الصنف الثاني، هم (بعض) “جماهير” تستقي “عِلْمها” و “معرفتها” مِنْ مضارب إلكترونيّة “إخباريّة”. وليس التنديد بالاستثمار هو وجه العجب والغرابة وحسب؛ بل دوافع هذا التنديد ودواعيه هي التي ربّما تستحقّ إعمال النظر.
فحادي ما يسمّى “اليسار” إلى هجاء الاستثمار، على ما لا تتكتّم مقالة “اليسار” هذا، هو “المحافظة على مقدّرات الوطن”، و”الحؤول دون اختراق أجهزة الدولة وقطاعها العام”، و”صيانة النسيج الاجتماعيّ مِنَ التفكّك”، و “التصدّي لزحف غابات الإسمنت”. وتبدو العناوين هذه، للوهلة الأولى، برّاقة. ولكنّ الوهلة الثانية كفيلة بتبديد البريق هذا وصرمه. فـ”المحافظة على مقدّرات الوطن” تفترض أنّ الاستثمار “عدوّ” يسعى في سرقة “مقدّرات الوطن”. ولا يسع العارف بـ”أدبيّات” “اليسار” سوى التسليم مِنْ غير احتجاج بـ”السرقة” ووصم المستثمر بـ”العدوّ”. فلمّا كان الاستثمار ابن الرأسماليّة “المتوحّشة”، وأحد الأركان التي تنهض عليها الليبراليّة، بما هي حريّة انتقال رأس المال؛ جاز نعت الاستثمار بـ”العدوّ”.
وأمّا “اختراق أجهزة الدولة وقطاعها العام”، فلا ينفكّ مِنَ المنزع “اليساريّ” المشهور، الذي يقوم على ازدراء الفرد والمبادرة الفرديّة والإزراء بهما، لصالح “الأمّة” والجم
المزيد
أغسطس 18th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
مَنْ يقرأ رثاء محمود درويش في صفحات الصحف، يحار في أمرهما (أمر الرثاء وأمر محمود درويش معاً). ومصدر حيرة الواحد في الأمرين هو شكّه في ذاكرته (ذاكرة الواحد). فالذاكرة هذه، تقول إنّ درويش كان شاعراً (وهو كان يحبّ أنْ يتسمّى “مغنيّاً”) حملَ الشعرَ على الفنّ والحريّة، وردَّ هذين إلى “حقّ النفس في التعرّف على نفسها”. وتعرّفُ النفس على نفسها يفصل سماتها وسمات الجماعة بعضهما مِنْ بعض. ومِنْ طريق الانفصال هذا يستوي المرء امرءاً أو انسيّاً تامّ الخِلقة والإنسيّة والفرديّة. وعليه، فالشعر، وفق درويش، فعلٌ ذاتيّ وفرديّ وإنسانيّ، وهو إلى ذلك، مشروط بالفنّ.
وتُخالفُ الحالُ هذه الحالَ التي رسمها معلّقون وصحافيّون ومناضلون للرجل الأنيق والمهذّب. فالرجل هذا في مرآة المناضلين هؤلاء ليس سوى كائن هلاميّ يقرض الشعر “المقاوم” ويتعاطى الأدب الفخيم. ويختزل الإقراضُ والتعاطي هذان الطودَ الفلسطينيّ في كنايات ركيكة واستعارات مأخوذة أو مقتطعة مِنْ دواوينه الأولى، حين هو أنكرها وتستّر عليها في دواوينه اللاحقة. فيُخلَص مِنْ هذا أنّ صورة درويش الأولى، أي مطالع الستّينات، لم تفارقه ولم تبرحه. فهو أقام على الحال هذه على رغم تبدّل الأحوال والقضايا. والأدق القول إنّ المناضلين الصحافيّين هم مَنْ أقاموا وأقاموه على حاله الأولى. فإذا رثى الراثون المناضلون الرجلَ صبّوه في قالب معدنيّ لم يتغيّر أو يتبدّل؛ فهو “عاشق مِنْ فلسطين”، وهو صاحب “سجّل أنا عربي” و “عابرون في كلام عابر”، على رغم تبرّؤه مِنْ هذه “القصائد” وسعيه في طمسها وإلحاحه المرير في الصدوف عنها.
وعلى نحو ما لم ينف
المزيد
أغسطس 3rd, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
على نحو ما حفلت حياة الرئيس المصريّ الراحل، أنور السادات، باستعراضيّة وطاووسيّة وربّما بهلوانيّة، بلغت ذروتها حين قيامه بأعضاء الكنيست الإسرائيليّ خطيباً مسالماً ومهادناً؛ حَفِلَ مماتُه، كذلك، (وإماتته) والتعقيبُ على مماته وإماتته، باستعراضيّة وطاووسيّة وبهلوانيّة. فلمّا ذوى فتيل الحادث الجسيم والعريض، وطُويَ في طيّ الأحداث اللاحقة والتحوّلات الكبيرة التي تستّرّت عليه (على الحادث)؛ ظهرت على المسرح (ولفظة المسرح قد تكون الأنسب في هذا المعرض، وهو معرض أو عرض مسرحيّ، مِنْ غير إنكار غلوّ التعبير)، سياسات ليست بسياسات، تنكر على الزعيم الراحل سعيه في المفاوضة والسلم وتقديمَ هذين على الحرب والعنف.
فإذا لم يَسَعْ الإنكارُ المتقدّم بلوغَ مرامه في اغتيال الرجل (معنويّاً) مرّةً ثانية؛ عاد الخصومُ (وهم دول وأشباه دول و جماهير وممانعون مفوّهو الأقلام ومزمنو الضغينة) على بدء صنيعهم الأوّل، تشويهاً ودعاوةً وتبديعاً (مِنْ بدعة). وهذه كلّها ترهص بالمروق و القعود و الاستسلام، إيذاناً بتهمة مرتكبها بالقتل (وغالباً على الشبهة والظنّ والحدس)؛ بذريعة امتناعه مِنْ مِلّة القتَلة واعتقادهم (على المعنى المزدوج لكلمة اعتقاد).
وهذا ما لم تكذّبه الأخبار القادمة مِنْ دولة إيران الخمينيّة. فـالفيلم الذي وسمه منتجوه الإيرانيّون بـإعدام فرعون، لم يذهب بخلاف المذهب المتقدّم. فهو (الفيلم) أشتات وأمشاج وأخلاط ولقطات وانعطافات وتصريحات وتعليقات، صاغها ناقلوها في مصهر وثائقيّ أو توثيقيّ، حين هي خَطابة خالصة. فـالشهادات التي أدلى بها مَنْ ظهروا في لقطات الشريط الدعاويّ مِنْ لونٍ واحد، وه
المزيد
تموز 24th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
إذا كان مِنْ غير الأخلاقيّ تعقّب لا أخلاقيّة حزب الله والتقصّي عنها، في معرض صراعه مع قوّة (إسرائيل) هي، تعريفاً، نقضٌ على الأخلاق؛ فمِنْ غير الأخلاقيّ، كذلك، السكوت عن لا أخلاقيّة الحزب إيّاه. ولكنّ الأشدّ لا أخلاقيّةً-ربّما- مِنَ الشرط المتقدّم وجوابِه، هو مديح لا أخلاقيّة الحزب المذهبيّ العسكريّ، مِنْ وجه، وهجاء المندّدين بلا أخلاقيّته، مِنْ وجه آخر.
ولعلّ مبتدأ اللا أخلاقيّة الحزباللهيّة هو وصف الحزب عمليّةَ التبادل الأخيرة بـ”الصفقة”؛ فهذه المفردة المستقاة مِنْ عالم المال والأعمال والتجارة والمقايضة، يجهرها أصحابها، في هذا المعرض، وهو معرض إنسانيّ، مِنْ غير خجل أو تورية. ولكنّ الخجل والتورية هذين، يبقيان أخفّ وطأة بما لا يقاس مِنَ التضليل والعماية اللذيْن غلّفا كلام حزب الله عشيّة “الصفقة” وغداتها. فهو زعم أنّ عمليّة التبادل إنّما هي “تبادل أسرى”، حين هي في الحقّ عمليّة استبدال رفات بأسرى. وهو تكتّمّ على مصير “الأسرى” إلى “الدقيقة الأخيرة”؛ ومصدر التكتّم لم يكن سعياً في الحصول على مكاسب أُخَر مِنْ العدوّ، بل لـ”تعذيب” هذا العدوّ، أي تعذيب ذوي الرفات.
وكان التكتّم هذا مُدِح على ألسنة بعض أشياع “سنّة” الحزب وأسنان “شيعته”، أي أدواته وصنائعه والمتطوّعين- مِنْ غير انتداب- إلى النفخ في “ألوهيّته” وملحميّته. ورُدّ التكتّم إلى “العقليّة الفذّة والعبقريّة” التي “يتمتّع” بها الحزب. وسها مَنْ هجوا أفعالَ الحزب مِنْ حيث أرادوا مدحَه، عن أنّ صنيعه ي
المزيد
تموز 18th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
لا ينسى أهلُ المهرجانات “الفنيّة” ومنظمّوها ومتعهدّوها والقائمون عليها، منذ أنْ صار لدى “الدول” العربيّة “قضيّة”، لا ينسون ضمّ “فنّان”، أو أكثر، يغنّي “أغاني سياسيّة”، إلى قائمة المغنّين الذين “يُحيون” ليالي المهرجان. وجرى الإعلامُ على إسباغ صفة “الالتزام” على هذا الفنّان المفترض؛ فيسمّيه “الفنّانَ الملتزم”.
ولا ريب في أنّ صفة “الالتزام”، في البلدان العربيّة، تحيل السامع، أوّل ما تحيله، إلى “السياسة”، أي إلى “القضيّة”. وقد يكون الباعث على جلب هذا النوع مِنَ “الفنّانين” (على افتراض أنّ ما يقدّمونه يصحّ أنْ يسمّى “فنّاً”)، هو أنّ أهل المهرجانات يسعون، بواسطة هؤلاء “الفنّانين”، في درء الانتقادات الموجَّهة إلى مهرجاناتهم، ولاسيّما ما يعتريها مِنْ “مجون وعريّ واختلاط”، على ما يحتسب كثيرون.
ولا يشكّ أهل “الغناء السياسيّ”، شأنهم شأن إخباريّي الصحافة، أي ناقلي أخبار “الغناء السياسيّ”، في أنّ هذا “طربٌ” خالص، بل هو ذروة الطرب. فإذا نقل إخباريٌّ خبرَ “إحياء” “المغنّي” السوريّ المقاوم، سميح شقير، “أمسيةً” في المدرّج الرومانيّ؛ لهث في تعقّب قرائن “الطرب” وأماراته، وأغرقَ واسترسل في المديح والإطناب: الإطناب في وصف “حرارة حماس الجمهور”، ومديح المغنّي “الملتزم” وصاحب “الهمّ الإنسانيّ”، على زعم الإخباريّ المأذون والمتحمّس. وآية “الطرب والأجواء الطربيّة”، مِنْ وجه آخر، هي “إقامة حلقات الرقص والدبكة في ساحة المدرّج”، حين غنّى المغنّي “جنين شلالات دمّ”.
وهذا كلّه خُلْف، ولا يأتلف في الحسّ (ابن جنّي) ولا يُسيغه عقل (ابن رشد). فجمعُ “الطرب” و”الهمّ الإنسانيّ” إلى “حلقات الرقص والدبكة”، وسَوقُ هذه وذاك في سياقة واحدة ومتّصلة، وردُّ “حرارة الجمهور وحماسه” إلى “شلالات الدمّ”، وسلكُ هذه كلّها في سِلك “الغناء”؛ هي (الجمع والسَّوْق والردّ والسَّلك) نقائض لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط. فالغناء
المزيد
تموز 3rd, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
المشادّة المندلعة والمتطاولة بين الحكومة والبرلمان، مِنْ وجه، وبين هذين وبين الجمهور والصحافة مِنْ وجه آخر، وبين هؤلاء كلّهم أجمعين وبين الديوان مِنْ وجه ثالث؛ المشادّة هذه، حملت كتّاباً ومعلّقين و “سياسيّين” ومواطنين عاميّين (أي مِنْ عامّة الجمهور) على الدعوة إلى ”العود على بدء الدستور ونصبه سلطةً تتولّى التحكيم في المنازعات”. فإذا تواضع الداعون إلى ذلك، ألمحوا، مِنْ طريق خفر الإيماء وحيائه، إلى “استعادة الحكومة الولايةَ العامّة أو الدستوريّة”. ويفهم القارئ، شأن الكاتب، مِنْ كلمة “استعادة”، أنّ الحكومة كانت صاحبة ولاية في ماضٍ بعيد أو قريب. ولولا الخفر والحياء المتقدّميْن لحلّ فعل “البدء” محلّ فعل “الاستعادة” هانئاً وسعيداً ومستوفياً المعنى.
فالحقّ أنّ الحكومات الأردنيّة لم تكن يوماً صاحبة “ولاية عامّة”؛ ليس لعلّة في الدستور وتنفيذ بنوده بحذافيرها أو مِنْ غير حذافير؛ إنّما مصدر ذلك هو عدم وجود محكمة دستوريّة تتولّى حماية الدستور وصيانته، وتحول دون انتهاكه، وتراقب تَساوق التشريعات مع أحكامه وبنوده. فالدستور مِنْ غير هيئة تُشرف عليه مِنْ علٍ لا يستوي دستوراً، وإنّما “قوانين تشريعيّة” لا يَبْعُد ولا يمتنع أنْ تتعرّض لانتهاك السلطة التنفيذيّة. وهذا ما حمل حكيم اليونان القديمة ومُعلّمّها الأوّل على السعي في تمييز أو فصل القوانين التشريعيّة والقوانين الدستوريّة بعضها مِنْ بعض. وهو كان نعى على الأثينيّين مزجَ الصنفيْن القانونيّيْن اللذيْن مرّا للتوّ، حادساً في انهيار الدولة وانصرامها إنْ هي فعلت ذلك. وأغلب الظنّ أنّ الحدس هذا لم يكن رجماً في طيّ الغيب.
والمزج والتشابك في القوانين التشريعيّة والدستوريّة، وسَلك هذه وتلك في سِلك واحد ومتّصل، على مثالٍ جارٍ وسائر بالمملكة المتّحدة والدولة العبريّة (والرطانة العربيّة تحسَب أنّ عدم وجود دستور مكتوب في إسرائيل يعني أنّ هذه مِنْ غير دس
المزيد
حزيران 26th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
كذبة إدلاء أحد مستشاري الرئاسة الأمريكيّين بتصريحات مدارها على “الوطن البديل”، التي روّج لها حكواتيّون بالفصحى (يسمّون “صحفيّين”)، الكذبة هذه، وقعت على جمهور ليس بجمهور؛ ليس على معنى أنّه أصمّ وأعمى ومذعن وحسب، إنّما على معنى العجز عن استعمال العقل والقصور عن إعماله. والأمران (العجز و القصور) هما نقيض التنوير أو بلوغ الرشد، والمكوث في “الطفليّة”. والقصور عن استعمال العقل، في هذا المعرض (والأرجح في كلّ المعارض)، لا يردّ إلى عيب متأصّل في المرء (أو المرأة)؛ إنّما لرفضه أو رفضها القيام بذلك.
ولعلّ الباعث على رفض إعمال العقل في المَكْذَبة إيّاها هو أنّ مَنْ روّجوا لها كانوا ينتظرون ويتوقون إلى ما حصل، بل ويتمنّونّه. فهو، مِنْ وجه أوّل يثبت “صدق” “سياساتهم” (أي دعاوتهم) التي أقاموا عليها وعلى بعثها ونشورها. فجهروا، بانتشاء ظاهر: “ألم نقل لكم؟”. وسبب رفض إعمال العقل، واشتياق الكذبة وانتظارها مِنْ وجه ثانٍ، هو أنّ الجلبة التي صاحبتها ونجمت عنها، غطّت وتستّرّت على أفعال وأقوال وسياسات كانت تجري في الأثناء. وقد يكون الأمر، مِنْ وجهٍ ثالث، عوداً على بدء لعب دور الضحيّة؛ فلعب دور الضحيّة، على ما دلّت وقائع كثيرة، يخاطب وعياً حسّاساً لدى “نخبة” و”جمهور” يحسَبون البكاء والعويل “سياسة” و”ثقافة”. فيعطي (اللعب) الضحيّةَ المزعومة، مِنْ طريق شعورها بـ”الظلم”، إحساساً كاذباً ومتوهَّماً بالحقّ والأحقيّة. فإذا أتاها “الظلم”، تلذّذت به وحقّقّت ذاتها وتحقّقّ “حقّها”؛ فهي مظلومة لأنّها على حقّ، وهي على حقّ لأنّها مظلومة. ووفّرت الكذبة، مِنْ وجه رابع، لفئة تكابد بطالةً سياسيّة مزمنة، فرصةَ الظهور على المسرح. والفئة هذه، التي تسمّي نفسَها “معارضة”، استقرّ في حسبانها أنّ ردّة فعلها هي السياسة.
وفي عداد هؤلاء “أحزاب” و”حركات” وقبائل وعصبيّات جرت العادة على تسميتها “المجتمع الأهليّ”. والسياسة، في زعم هؤلاء، مدارها ليس على الموارد والمصالح والإجراء والتدبير والإدارة والتعليم والتنوير والتجارة والريع والتوزيع والصحّة؛ إنّما على القضايا العظيمة والجليلة والملحميّة، مثل “الهويّة” و”الوطن” و”العدوّ”. فتُسلَخ المعضلات الاجتماعي
المزيد
حزيران 4th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
الزعم المعلَن عند كلٍّ مِنَ الممانعين و المعتدلين هو سعيهم في تحقيق مطاليب الشعوب و تحرير الأرض. وعلى هذا، فالطرفان يتّفقان على الغايات، ولكنّهما يفترقان حين الكلام عن الوسائل التي ينبغي التوسّل بها لبلوغ الغايات تلك. فـالممانعون يجهرون انصرافهم إلى تحقيق غاياتهم مِنْ طريق المقاومة المسلّحة (وهي اختُزِلت في عمليّات تفجير النفس في عمق العدوّ)؛ حين المعتدلون يحسَبون أنّ إحسان المفاوضة وتجييش المصالح واللعب على التناقضات الدوليّة (أي السياسة) يؤدّي إلى بلوغ الغايات مِنْ غير أنْ يترتّب على ذلك أكلاف بشريّة.
.
والمشادّة الدائرة بين محوريّ الممانعة و الاعتدال، منذ بعض الوقت في المنطقة، (والمزدوجات كناية عن التحفّظ عن التسميات الثلاث)؛ دار مثلها في الهزيع الأخير مِنَ القرن الأوروبيّ التاسع عشر. والتمثيل على المشادّة هذه، قد يجد صداه في نقض عالم الاجتماعيّات، ماكس فيبر، الأطروحةَ الكانطيّة القائلة بحمل الأفعال على النيّات. على حين يرى منظّر الحداثة البارز، فيبر، أنّ الأفعال (السياسيّة) لا تنفكّ مِنَ العواقب والنتائج.
.
فيقترح فيبر، متلعثماً وخجِلاً، أطروحةً يسمّيها خُلُق المسؤوليّة. والمسؤوليّة تحيل إلى العواقب. فالفعل السياسيّ، بحسب الخُلُق هذا، لا يكتسب معناه إلا، وإلا فقط، إذا انطوى على نتيجة عقلانيّة. وبلوغ النتيجة العقلانيّة هذه، تسبقه سوابق وتلحقه لواحق كثيرة، لعلّ أهمّها هو ارتباط الفعل، ونهايته مِنْ بعد تمامه، بالعلاقة السببيّة المحايثة للتجربة والامتحان. ووفقاً للأطروحة هذه، يتوجّب على الفاعل (السياسيّ) الحرّ والمستقل أنْ يكون قادراً على اختيار ليس الوسائل وحسب، وإنّما نهاية مطاف الوسائل هذه، مِنْ وجه أوّل، ورسوّها على نهاية معقولة، مِنْ وجه آخر، ملابس للوجه الأوّل.
.
فإذا أسهب في شرح فلسفته هذه، زعم أنّ بلوغ الطريق إلى التكامل بين الأفعال العواقب، إنّما يتجلّى جوهرُه في ثبات منطقه الداخليّ (وهذا قولٌ شعريّ براه الشعراء العرب مِنْ فرط ما استخدموه) المتّصل بالقيَم والمُثُل العليا ومعاني الحياة. ولكنّ المعضلة، هنا، هي أنّ هذا النوع مِنَ العقلانيّة الساعية في خُلُق المسؤوليّة (أي اختيار الوسائل العقلانيّة) لا يمكن أنْ يطبَّق في اختيار النهايات. وهذه المعضلة لا يقرّ بها فيبر، ولكنّه لا ينكرها ولا يتستّر عليها.
.
وآية ذلك أنّه سوف يعود على بدء
المزيد
أيار 25th, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
لا يشكّ معظمنا في أنّ الفنّان عماد حجّاج هو أفضل رسّام كاريكاتور بالأردن. وبعضنا يذهب شوطاً أبعد مِنْ ذلك، فيقرّر أنّ عماداً هو الرسّام الأفضل في العالم العربيّ. ولكنّ بعضاً آخر لا يرى هذا الرأي، بل وينكره وينفيه مِنْ أوّله حتّى آخره، والحجّة الراجحة عند أصحاب هذا الرأي هو أنّ ما يأتيه عماد ليس فنّاً؛ وإنّما هو، على زعمهم، ضربٌ مِنَ التعليق “السياسيّ” العاميّ والركيك. و هم يرون أنّ طغيان “الكتابة” في رسومه، قرينة على مخيّلة ضامرة ومشكومة، فيجيء الرسم، والحال هذه، مجيء الذريعة، ويتوسّل، والحال نفسها، بـ”الكتابة”؛ فتلهث هذه في قول ما يقصر الرسمُ عن قوله والعبارة عنه.
ولا ريب في أنّ كلا الرأيين السالفيْن يمتلكان الكثير مِنَ الوجاهة. وليس الباعث على الوجاهة أصولاً معياريّة وحسب؛ بل ربّما كان الباعث على ذلك هو الفنّ نفسه، فهذا، شأنه شأن الثقافة، أفكار، وهذه تَنوّع وتَعدّد، والتنوّع والتعدّد، يردّان إلى الأمزجة، وهذه وجهٌ مِنْ وجوه تعريف الإنسان، وهي باقية ما بقيَ البشر وما استمرّوا. وعلى هذا، كان لا بدّ أنْ تفترق الآراء حين الرؤية إلى الفنّ.
ولكنّ ما يرقى مرقى الحقّ، هو أنّ عماداً، عمّم- غيرَ متعمِّد- مثالاً و “مدرسةً” في الرسم متعسّفة. و “المدرسة” هذه، أو بالأحرى مريدوها، يحسَبون أنّ مَنْ لا يجري على صورة رسوم عماد ومثاله لا يصحّ أنْ يُدعى فنّاناً ولا رسّاماً، وإنّما “سائق سكوتر”، على ما لم يتعفّف أحدهم عن القول. فإذا أطلّ رسّام جديد على القرّاء؛ سارع هؤلاء إلى مقارنته بعماد حجّاج.
وكائناً ما كان الأمر، يبقى أنّ كلّ ذلك ليس ذريعة هذه العجالة؛ وإنّما الذريعة هي ما يعانيه الفنّان فايز مبيضين، منذ بعض الوقت، مِنْ إنشاب بعض المعلّقين، بصحيفة “الغد”، مخالبَهم فيه وفي رسومه، شتماً وتقريعاً وهجاءً مرّاً. فلا يتورّع بعض ذلك البعض عن إهانة كرامته بسقط القول وبذيئه. ويَمنّون يستكثرون عليه العمل بصحيفة يوميّة يكسب منها رزقاً حلالاً. وإلى ذلك، أو فوقه، يعي
المزيد
آذار 2nd, 2008
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
لم تشأ الأمم المتحدّة أنْ تضع تعريفاً محدّداً و جامعاً للإرهاب؛ لأسباب قد تكون متعلّقة بجدليّة الكلمة نفسها، فالكلمة هذه، (أي كنايتها و عبارتها) معقّدة و متشابكة، و تأويلاتها عسيرة و ملتفّة التفاف الأغصان. فلا عجب، إذن، إذا حُصِرَت الكلمة، و لا سيّما في الكتابات العربيّة، بين مزدوجين.
بيد أنّ إجماعاً (إعلاميّاًَ) عريضاً يتّفق على أنّ الإرهاب سلوكٌ ظرفيٌّ و "تكتيكيّ"، يتوسّل بالعنف للتأثير في سياسات جهة حكوميّة أو أهليّة. و لكنّ هذا التعريف يغفل عن سمة أساسيّة في العمل الإرهابيّ، و السمة هذه، هي الجهر و العلانيّة و الإشهار؛ فإذا كانت المافيا تغتال خصومها مِنْ غير الاهتمام بجهر الحادث على الملأ، فالإرهاب (أي أصحاب السلوك الإرهابيّ) لا يقرّ بـ"نجاح" الفعل الإرهابيّ إلّا إذا تصدّرّ الشاشات و العدسات و الصفحات.
و لئن حُمِلَت المزاعم أعلاه على محمل الصحّة و الصدق، اقتضى ذلك نفيّ صفة الإرهاب عن الدولة العبريّة؛ فالأخيرة، منذ تأسيسها، لم تمارس العنف ضدّ خصومها بصورة ظرفيّة و تكتيكيّة، بل كان (و لم يزل) عنفها ممنهجاً و سائراً و دائماً. فإذا امتنع الإرهاب من كونه فعلاً تكتيكيّاً و ظرفيّاً، كفّ عن أنْ يكون عنفاً يؤثّر في السياسة، و انقلب "سياسةً" تؤثّر في العنف. و على هذا، ليس مِنَ المبالغة في شيء وسم (أو بالأحرى "وصم") الإرهاب الإسرائيليّ بـ"التأسيسيّ" أو "التكوينيّ" أو "البنيويّ".
و لكنّ شجرة الإرهاب الإسرائيليّ ليس في مستطاعها التستّر على غابة التشعّث الفلسطينيّة و على خبط عشوائها. فمشهد "الجماهير" الفلسطينيّة، الظاعنة عن ديارها إلى النُجْعَة المصريّة وراء الحدود، المشهد هذا، و لا سيّما حين اقتحام المعبر، صورتُه في المرايا الإعلاميّةُ تردّ إلى منزع عربيّ عتيق، يؤثِر الخَطابة على السياسة، و يقدّم الرمزيَّ على الفعليّ؛ فيتستّر الأوّل على الثاني و ينوب منابَه، و يتوارى الثاني في الأوّل و يذوب فيه. و في هذا المعرض، تنتصب على الشاشات صورة واحدة، متحجّرة، لا تملّ وسائلُ الإعلام مِنْ تكرار
المزيد
تشرين الثاني 12th, 2007
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
هذا مقال جديد، يتحدث عن العلمانية، و هو بعنوان «في أنّ العلمانية ليست شتيمة» و قد
تشرين الثاني 2nd, 2007
كتبها Hisham Ghanem
نشر في , مقالات سياسية,
,
هنا مقال جديد يتحدث عن العنصرية في المجتمع الأردنيّ، و هو منشور في موقع عمون على هذا الرابط
http://ammonnews.net/arabicDemo/article.php?issue=&articleID=12457