كائنات منزوعة الشغف!

كتبهاHisham Ghanem ، في 29 كانون الثاني 2007 الساعة: 14:31 م

 

خيري منصور

قد تنفرد لغتنا بكلمة “الشغف” مثلما انفردت بتقديم رسم بياني للعشق، حيث يتدرج عبر فصوله كلها باتجاه الجنون، أو مثلما امتازت وحدها بالتفريق بين الوقت والزمان، والشغف سواء تعلق بالعشق أو بالمقاومة أو بأي نشاط بشري هو عطر الزهرة الذي لا يظهر في التشريع، أوصوت الطائر الذي لا نستطيع التعرف الى جذوره إذا خبت جمرته وتحول الى رماد.

ما ينقصنا الآن هو هذا “الشغف” الذي يندر أن نستشعر غيابه في حمّى هذا السعار وهذا الزحام بحيث يبدو الناس دائخين، أو يرقصون من شدة الألم لا من فرط الطرب.. وحسب ما يقول المؤرخون فإن الشغف هو نخاع التاريخ، إذا كانت الوقائع لحمه وبواعثها عظمه، فلولاه لما وثب البدوي على حصان مجنّح، ولولاه لما كان الشعر العظيم، ولا الموسيقا، إنه غير قابل للرصد، فهو الوتر الثاني والسري في الربابة، وهو اليوم الثامن في الأسبوع والفصل الخامس في السنة، وقد يكون أيضاً الساعة الخامسة والعشرين التي لا تبلغها العقارب.

إنه الفائض الذي نفقده عندما نفكك أي شيء الى عناصره ومكوناته الأولى.

أين ذهب؟ وما الذي خطفه من عيون الأطفال وحفيف الشجر، وزغب الليل الأسمر؟ يقال إن الناس الذين يفقدون الرغبة في الحياة ويدبرون عنها لا يخافون من الموت، ليس لأنهم شجعان، بل لأن إرادة الحياة ذبلت في أرواحهم، وتحولوا من أقاصي الحرية الى أدنى الضرورة، ومن الرقص فرحاً الى الرقص والترنح ذَبْحاً.

شعراء وموسيقيون ورسامون من مختلف الأزمنة والأمكنة تحدثوا عن هذا “الشغف” لكن بأسماء عديدة، فهو الفرح الإلهي كما سمّاه هنري برغسون، وهو هديل حمامة جريحة في غابة نائية أخطأها كلب الصياد كما قال لوركا.. وهو هذا الشحوب الذي يعترينا في عز الربيع كما تقول أيامنا ذات الظهيرات السود!

إذا غاب الشغف عن العاشق تحول الى محترف يبيع الأغاني على عربة كالبائع المتجول، وإذا حُذف الشغف من الثورة تحولت على الفور الى سلطة باردة، تلد العسس والخوف والريبة بدلاً من النشيد ووميض العيون والعشب الذي ينبت في دفاتر الأطفال.

وهو الآن محذوف، نبحث عنه عبثاً تحت الوسائد المترعة بالنعاس، وفي جيوب الثياب التي لا يعيش فيها غير صدأ النقود، وفي كتب التاريخ التي حولها الطاغوت الى أكعاب بنادق، أو أوقد النار فيها تحت المواقد.

الشغف الغائب أشبه بزهور نتخيلها إذا رأينا مزهرية جميلة فارغة، وقد نشعر أحياناً بأننا بحاجة الى يد ثالثة للقبض عليه وهو الذي يروغ من كل القبضات، سمهِ ما شئت، لكنه الموسيقا الخفية التي تنبعث من سيف قديم تهرأ غمده لكنه بقي على مضائه.

وفي عصرنا هذا الذي جعل المستحيل ممكناً واستنسخ النعجة والحصان، وجعل الكون كله جملة واحدة بين قطبين أو قوسين.. هذا العصر أعطانا كل شيء لكنه أخذنا منا.. لهذا نعيش بلا شغف ونموت بلا وداع.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية, منوعات | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “كائنات منزوعة الشغف!”

  1. سلام،،،

    فقدنا الشغف لانشغالنا بصغائر الامور ، وبالتالي فقدنا متعة الحياه .

    شكرا للاديب هشام على هذا المقال المعبر.

    تحياتي

  2. الشغف هو الشوق والاحتياج للشخص



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر