إلغاء “نظام الكفيل” في البحرين.. بداية نهاية “التناقض الرئيسيّ”

كتبهاHisham Ghanem ، في 16 أيار 2009 الساعة: 22:23 م

في الخامس مِنَ الشهر الجاري، أعلنت "مملكة البحرين" إلغاء العمل بـ"نظام الكفيل". ولولا جواز حمل لفظة "النظام" على الفوضى، التي هي ضربٌ مِنَ "النظام"، على ما زعم أحدهم، (بحسبان أنّ السابح في الفوضى يجري على "نظام" لا قِبَل للناظر إليه مِنْ خارج أنْ يعقله أو يتدبّره)؛ لولا ذلك، إذاً لما صحّ سَوْقُ اللفظتين ("النظام" و "الكفيل") في سياقة واحدة ومتّصلة.

 فـ"الكفيل" أو "نظامه"، والأدق القول فوضاه، قد يشبه كلّ شيء وأيّ شيء، ما خلا "النظام"، إلّا إذا حُمِل هذا على الفوضى، على ما مرّ للتوّ. فما يُسمّى "الكفيل"، السائد في بلدان الخليج دون ممالك الله وأصقاعه، يحاكي، في أضعف القول وأيسره، الإقطاعَ الأوروبيّ البائد مِنْ غير أن يقتفي أثره؛ فهذا كان يوفّر الحماية لطبقة الفلّاحين، لقاءَ عمل هؤلاء في مزارع النبلاء، فضلاً عن تمتّعهم بحقّ التملّك، على حين يُحرَم العامل في الخليج مِنْ حقّ الحماية؛ فلا حقّ له في قضاء يقضي له حقّه، ولا قانون يلجأ إليه دفعاً لإجحاف يلحق به. وإلى هذا، يغرف "نظام الكفيل" مِنْ مَعينيّ العبوديّة الأميركيّ والجاهليّ مِنْ غير أنْ يتسمّى باسمهما. فـ"فضيلة" هاتين العبوديتين (إذا جاز الكلام عن "فضائل" في معرض الرذائل هذا)، أنّهما كانتا تجهران ارتكاباتهما على رؤوس الأشهاد مِنْ غير تزوير ولا تجميل، وتسمّيان السيّدَ سيّداً والعبد عبداً، حين العبوديّة المعاصرة تكنّي عن الأسماء بغير أسمائها؛ فتسمّي السيّد الراتع في ساديّته كفيلاً على نحو ما تكنّي عن العبد بـ"المكفول".

 وحَمَلَ إعلانُ البحرين إلغاءَ "نظام الكفيل" كثيرين، في طول العالم العربيّ وعرضه، على الفرح والحبور، وربّما الاحتفال. والاحتفال هذا مداره على الحريّة؛ فهي الكلمة الوحيدة التي قد تؤدي عن الحال هذه والعبارة عنها. والحريّة، على ما تُجمع العقول السويّة، هي الركن أو الأساس الذي لا يستوي المرء امرءاً مِنْ غيره. فهي تكاد تكون بديهة البديهيّات. فكيف ساغ أنْ يُحتفَل بتحقيق هذه البديهة، حين هي وحيث هي بديهة؟ لعلّ مردّ ذلك إلى أنّ "الحكومات" (أي العصبيّات المستولية) في البلدان العربيّة، أوحت أو أرادت أو أحالت البديهيّات إلى مستحيلات؛ فأوهمتْ "الشعوبَ" أنّ الانحطاط قَدَر، وأنّ العفن مِنْ طبيعة الأشياء. فجاز، على هذا، عدُّ الخروج مِنَ العتمة إلى نور الحريّة، إنجازاً يسستحقّ الاحتفال.

 والأرجح على الظنّ أنّ التعليل الظرفيّ الشائع والساعي في "فهم" وجود "نظام الكفيل، قاصر. فهو (أي التعليل الشائع)، يَحمل العمل بـ"نظام الكفيل" على كراهية العمّال النازلين ببلدان الخليج (أو "الأجانب") و "حُبّ" أهل الدار (أي توجّس العصبيّة القبليّة مِنَ الغريب). ولكنّ هذا التعليل يأخذ الأمر على ظاهره مِنْ غير أنْ يقلّبه على وجوهه. فلمّا دخلت القبائل الخليجيّة في نزاعات طاحنة (وهي كانت دوماً مقيمة على هذه الحال)؛ كان لا بدّ أنْ تربح أقواها. فأذعنت البقيّة وهُزمت مِنْ غير بقيّة. وأثمر استيلاء العصبيّة التي آلَ لها السلطان على الحكم، نشوءَ علاقة كلبيّة بينها وبين "السكّان". فيسكت "السكّان" عن استيلاء أهل العصبيّة الحاكمة، نظيرَ توفير هؤلاء الحاجات الضروريّة (العضويّة والبيولوجيّة) لأولئك. ولاقى هذا النوع مِنَ المقايضة نجاحاً مشهوداً وغير منكر. فعلى نقيض الأنظمة العربيّة المشرقيّة في مصر وبلاد الشام، لم يخرج "أهلُ الضعف" أو "السكّان" في الخليج على أهل العصبيّات الحاكمة ولم يقوموا عليهم، إلّا في حالات هامشيّة تكاد لا تُذكر. وأمّا الحالات التي حصلت فيها انقلابات أو محاولات انقلاب، فكانت صراعاً بين أهل العصبيّة أو بالأحرى العرقيّة الحاكمة نفسها.

 وتوفير حاجات "السكّان" هو ما تولّته المواردُ النفطيّة وجهود العمّال الأجانب، الذين حلّوا ببلدان الخليج يعملون وينتجون فيكسبون رزقاً حلالاً. فإذا بهم يستحيلون مصدرَ تمويل لخزائن الحكومات، وإذا بهذه تعيد توزيع الموارد على "السكّان"؛ خشية القيام عليها. وإمعاناً في تنويم "السكّان" وتدجينهم، اخترعت السلطات لهم مِهناً ليست بمهن. ومِنْ هذه المهن العجائبيّة، "الكفيل"، الذي "يكفل" العاملَ "الأجنبيّ" فيدفع له هذا وسعه أنْ يدفع؛ فإذا امتنع مِنَ الدفع، حِيل بينه وبين رزقه، ومورست عليه أبشع ألوان الظلم وفنونه. وقادت هذه الحال إلى بروز وعي (أو لا وعي؟) لدى "السكّان" بالخمول والاتّكاليّة. ونشأت، عن هذا، ثقافة استهلاكيّة قد لا يكون لها مثيل على وجه الأرض. ولمّا لم يكن هناك مِهَن، على المعنى الحقيقيّ، أفضى ذلك إلى انبثاق "مُدن" كأنّها قُدّت مِنْ معدن؛ فهي "صُنعت" فوق ما بُنيت وأكثر، وهي لم تنشأ حول المهن والصنائع والحِرَف، على مثال المدن المعروف، أي نتيجة حاجة فعليّة وتطوّر ثقاقيّ واجتماعيّ وسياسيّ، بل كانت ثمرة "قرارات" أملتها السلطات إملاءً. فكان "سكّانها" مثالاً ساطعاً على "الاجتماع مِنْ غير مجتمع".

 فـ"التناقض الرئيسيّ"، على هذا، وعلى خلاف الزعم النضاليّ الذي يحمله على الصراع "الأبديّ" بينـ"نا" وبين "الغرب"؛ هو المزاوجة بين أحدث ما أنتجته التكنولوجيا وبين ممارسة أبشع ما جادت به الأيديولوجيا، وبين استخدام الدين، بما هو أيديولوجيا؛ والنفط، بما هو أداة ابتزاز. فثقافة "الكفيل" إنّما ركنها الأساسيّ هو إنكار الزمن، على رغم إقامتها في الأزمنة الحديثة، وركنها الثاني هو ترتيب البشر على مراتب ورُتَب. فلا يستوقفها، على سبيل المثال، تبوؤ امرئ خلاسيّ عرشَ الولايات المتّحدة، على نحو ما لم تستوقفها حوادث وثورات سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة سعت في إخراج الفرد مِنْ طور القصور العقليّ إلى نور الحريّة. ولا ينتبه أصحاب هذه الثقافة عن أنّ الرقعة التي يتقاطعون فيها مع الفاشيّات، قديمها وحديثها، آخذةٌ في الاتّساع.

 وليس مصادفة أنْ يدبّ الرعبُ في أوصال بعض بلدان الخليج، غداة إعلان البحرين إبطال ما يسمّى "نظام الكفيل"؛ فهذا الإعلان إنّما هو الإيذان ببداية نهاية "التناقض الرئيسيّ" في هذه البلدان، والرؤية إلى الناس، بما هم إنسٌ تامّو الإنسيّة. وليس الزعمُ هذا غلوّاً طائشاً. فإذا صحّ أنّ سنونو واحداً لا يكفي لاعلان الربيع؛ صحّ، كذلك، أنّ الربيع هذا قد يتأخّر، ولكنّه دوماً يأتي ويجيء ويعود ويُقْبل.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “إلغاء “نظام الكفيل” في البحرين.. بداية نهاية “التناقض الرئيسيّ””

  1. رائع كعادتك
    بحبك

  2. هشام وينك ووين كتاباتك؟
    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر