المأزق الفلسطينيّ مَعينُه ازدواج السلطة وتقديس "الثوابت"
كتبهاHisham Ghanem ، في 1 كانون الأول 2008 الساعة: 09:40 ص
إذا نزلت نازلة بالفلسطينيّين، أو إذا حلّت بهم نكبة مِنْ تلك النكبات المعتادة، ألحّ ذلك في التداعي والتنادي للتضامن معهم مِنْ قِبَل “الأخوة” و “الأشقّاء”، بحسب “اللغة” الشائعة والسائرة. ويقتصر التضامن هذا على الوجه الإعلاميّ. فيُجْمع “العرب” (أي قناة الجزيرة و “الشوارع” العربيّة) على أنّ النكبة التي تحلّ بغزّة، هذه الأيّام، سببها عدوّ شرّير عفوّ الطبع. والإجماع هذا، في معظمه، تلفزيونيّ. وهو، إلى ذلك، يحظى برضا فلسطينيّ غير منكَر. وعلى هذا، تنزل الصورة التلفزيونيّة (والصحافيّة على قدر أقلّ) مِنَ الحادث الجسيم، منزلةَ القلب والركن. فتتوارى الصورة السياسيّة خلف الصورة التلفزيونيّة، وتحلّ الثانية محلّ الأولى، وتتستّر عليها، وربّما تلتهمها.
ويحسَب ناشرو الصور العظيمة ومذيعوها والمعلّقون عليها، أي صور الفلسطينيّين الواقعين تحت المعاناة والحصار الإسرائيليّ، أنّ في وسع الصورة قولَ ما لا يقدر الكلام المكتوب على قوله أو روايته. وهم يحسَبون، مِنْ وجه آخر، أنّ الكلام على الصورة، أي الألفاظ الملحميّة المصاحبة لها، أفعال وحوادث تسعى، شأنها شأن عصا موسى. ولكنّهم يغفلون عن أنّ الصورة ثابتة وجامدة، ودأبها إيقاف الزمن في لحظة لا ماضيَ لها ولا مستقبَل. فالصورة لا تروي الواقعة أو الحادثة رواية معلّلة، ولا تُخبر عن أوقاتها المتواترة، بل تستلّ إحدى لحظات الزمن المتّصل (والزمن لو لم يكن متّصلاً إذاًَ لما كان زمناً)، وتثبّتها وتبدي فيها وتعيد.
وهذه كلّها قد لا تكون ناجمة عن الغفلة، إنّما هي “سياسة” تكاد تقوم مقامَ السياسة الحقيقيّة. فتعظيم الصور وإعلاؤها، ولاسيّما تلك المفعمة بالجزع والتوجّع والاستفظاع، يُعفي أهلَ الصور والنافخين في رمادها (حقيقةً ومجازاً)، مِنَ التدبّر في أصل الصور وفصلها، وفي مبتدأها ومبعثها؛ فهذه، أي الأصل والفصل والمبتدأ والمبعث، تحيل إلى السياسة. وصنيع أهل الصور إنّما هو نتاج إحجامهم عن مباشرة السياسة. والإحجام هذا يتصوّر في صورة مقاومة انتحاريّة، (حقيقةً ومجازاً كذلك). وحتّى لو صحّ أنّ الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى؛ لم يشفع ذلك للمقاومة أنْ تُحْمَل على السياسة. فالمقاومة، بما هي فعلٌ عنيف، تنمّ بعجز عن الحرب وقصور عن السلام. فهي ليست حرباً ولا سِلماً.
ولعلّ الأمرين، أي العجز عن الحرب والقصور عن السلام، صبغا العمل الفلسطينيّ بصبغة دامية ودمويّة، على مدار عقود. والصبغة هذه، تكنّي كناية حادّة وجارحة عن الفشل الفادح في بناء الدولة. وليس ينفع القول، هنا، إنّ العدوّ الأبديّ والأزليّ حالَ بين الفلسطينيّين وبين تشييد الدولة. ففي مطالع تسعينات القرن المنصرم، لاحت فرصة سانحة وحقيقيّة لبناء كيان فلسطينيّ يرهص بغاية تماميّة، هي الدولة. ولكنّ ازدواج السلطة والعشائريّة والزبونيّة والفساد والعاميّة السياسيّة، بنت حوائل وسدوداً شاهقة في وجه الدولة العتيدة. وربّما كان ازدواج السلطة هو واسطة عقد الحوائل والسدود تلك.
فلمّا وُقّع اتّفاق أسلو، على رغم مثالبه وعيوبه الكثيرة، زاوجَ ياسر عرفات بين طريقتيْن لا تجتمعان ولا تأتلفان في إدارة الكيان الناشئ. فسعى في ممارسة السياسة مِنْ غير أنْ يكبح جماح الجماعات المقاتلة والمقتتلة. فإذا تولّت “حماس” السلطة، لم تشذّ عن “نهج” عرفات المراوغ والمتدافع. فلم تكن علاقتها بـ”الدولة” علاقةَ إدارة هيئات عامّة والتزامات سياسيّة وقانونيّة وعهود دوليّة، على نحو ما لم تكن علاقة استيلاء وهيمنة (فهي وصلت إلى الحكم مِنْ طريق انتخابات ديمقراطيّة)؛ بل ترجّحت في منزلة بين المنزلتيْن. فهي توسّلت باتفاق أوسلو لبلوغ السلطة، ولم تلبث أنْ قامت على الاتّفاق هذا وأبطلته وانتهكت معظم بنوده.
وغالباً ما رُدّ ازدواج السلطة، أي التوسّل بالمقاومة، إلى وحشيّة العدوّ، وهو وحشيٌّ مِنْ غير شكّ؛ فحُمِلت المقاومة على الدفاع عن النفس وصدّ العدوان. وهذا زعم أخرق وغير سائغ. فما يترتّب على المقاومة هو عدوان أشدّ وأفدح مِنَ العدوان الأوّل، المفترَض أنّ المقاومة جاءت لصدّه. ومردّ ذلك إلى أنّ المقاومة هذه لا تزن “عملها” بميزان الوقائع، ولا تُطابق بين المزاعم والطاقات. فالمسألة، إذاً، ليست صدّ العدوان على قدر ما هي مسألة “مبدأ المقاومة”. ولعلّ هذا هو بيت القصيد. فتقديس المقاومة وتحجيرها وتأبيدها، والتنديد بالمتحفّظين عنها، والامتناع مِنْ إخضاعها للنقد والمقايسة والمعايرة والمنفعة؛ تجعلها قدس الأقداس، فلا تعتورها حيلولة ولا يدركها شَوب، وتفضي بصاحبها إلى الخروج مِنْ مجرى الحياة وأسئلتها وتجاربها وتحوّلاتها وتقلّباتها. ويؤذن الخروج هذا بارتداد صاحب المقاومة إلى كائن يعيش زمناً واحداً ومتّصلاً، على نحو ما يؤذن بسَلْسَلة الحوادث (إي إدراجها في سِلْسِلة) مِنْ غير تَعاقُب أو اطّراد.
وكائنٌ هذا شأنه، أي تسيّره الأيديولوجيا فوق ما يسيّره الانسياق مع التجربة، تُلابسه أعراض مرض “التوحّد” الذي يصيب الأطفال، ملابسةً ظاهرة. فالطفل المريض بهذا الداء، يعاني عسراً في التواصل العاطفيّ واللفظيّ، ويصرّ على تكرار سلوكه مرّات عدّة مِنْ غير أنْ يحمله التكرار على التعلّم مِنَ التجارب؛ فهو لا يحسّ بالزمن، ولا يقول له التاريخُ شيئاً. فالتجارب، في هذا المعرض، تتناسل بعضها مِنْ بعض، مِنْ غير أنْ تتراكم بعضها فوق بعض. فيمسي العالم، والحال هذه، تجربةً واحدة و “قديمة”. وتتقمّص التجربة هذه قميص “الثوابت” وتلبس ثوبها “إلى الأبد”. فـ”الثوابت” والأيديولوجيا هي الجوهر والهيولى، والحياة هي الصورة والعرَض. ولكنّ عذر طفل “التوحّد” أنّه طفل ومريض؛ فالأطفال وحدهم لا يكترثون بعاقبة أفعالهم، ولا يُسألون عن نتائجها.
الخط باللون الأحمر يدلّ على الكلام الذي حذفه محرّر جريدة الغد. ويا ليت هذا المحرّر الكريم لم ينشر المقال أو على الأقل لم يضع اسمي عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:مقالات سياسية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 25th, 2008 at 25 ديسمبر 2008 12:14 ص
كذب المدون ولو صدقوا !!
مارس 13th, 2009 at 13 مارس 2009 8:21 ص
مرحبا سيد هشام .
تصفحت عدد قليل من تدويناتك ، و توقفت عند هذه .
لفتني ما استخلصته من تسيير الايديولوجيا للكائن بدلا من التجربة ، و تناسل التجارب بدلا من تراكمها ..
أرى ، ان نهاية المقال او نتيجته صحيحة ، و لكن المقدمات غير صحيحة ، و صحة النتيجة بتصوري أتت من صحتها بالمطلق ..
كثيرا ما يقع الناس في خطأ ، مفاده انهم يضمنون وجهة نظرهم النسبية ، التي تحتمل الصواب و الخطأ ، نهايات مطلقة في الصواب و الخطأ ، فيختلط الامر على القارئ ، ليعتقد بتماسك النص ، فيما هو ليس كذلك بالضرورة .
بدأت بالصور المفجعةالتي تعفي اصحابها ( كما ترى) من الخوض في اصلها و مبعثها ، و عجز ناشريها عن التعاطي في السياسة ، و انتاجهم تباعا ” للمقاومة ” و ان الاخيرة لا يجوز ان تحمل على السياسة ، تلك ثلاثة محاور ، تحتاج مزيدا من الشرح ، فكل واحد منها ملف بحد ذاته ينبغي له مقالات لا مقال .
لا أرى ، ان ناشري الصور ، يتحاشون الخوض في مباعثها ، على انني اعتقد بانك لا تتفق معهم في تصورهم لمباعثها ، لذا رميتهم بالاكفتاء بها ، و هو موقف غير موضوعي ، خذ الجزيرة مثلا ( و قد اشرتَ لها ) تعرض الصور ، و تفرغ المساحات الواسعة من ندواتها و برامجها الحوارية و نشراتها الاخبارية و فواصلها ، لتبيان اصل الصورة و المحرك الاول للحكاية الفلسطينية ، كما انها تحاول تقديم و جهات نظر حول مسببات ما آلت اليه الاوضاع في الضفة و القطاع ، تلتقي بالوجوه المعارضة للسلطة ، و الموالية لحماس و بالعكس ، لتعطيك قدرا ” معقولا ” من المعرفة حول محركات الاوضاع هناك . فإن لم تكن تتابع الجزيرة ، فتلك مصيبة ، لا يتفق معها تدبيجك للمقال اعلاه ، و ان كنت تتابع ، فظني انك لا تتفق مع تصوراتها عن مسببات الصراع ، و هذا حقك ، و لكن الموضوعية تقتضي ان تشير الى اختلافك معها في التحليل لا رميها بالاكتفاء في الصورة التي تحنط الزمن !!
ربطك بين المقاومة و الانتحار ، يحتاج مزيدا من التريث ايضا ، فالانتحار عمل عدمي ، لا تقف اي قيمة خلفه ، و لا أمامه ، و أضن ان المقاومة امر مختلف قليلا ، اليس كذلك !!!
اما القول بمقاومة انتحارية ، فتحتاج منك اولا تعريف المقاومة ” الغير انتحارية ”
على انني اضن ان لديك لبس كبير في ادراك المقاومة كمفهوم ، و قد تجلى ذلك في تعريفك ، (الادبي) لها ، بعتبارها ” عجز عن الحرب و قصور عن السلم ”
المقاومة حرب ، و لكنها حرب من نوع اخر ، لم أضع انا تعريفها و بالتأكيد لا يمكنك ان تضع انت التعريف ، انه خلاصة تجارب تاريخية سابقة ، خطها الفيتكونغ ، و الاسبان في حرب الانصار ، و كتابات انجلز و ماركس ، و هوشي من ، و ما لخصه مصطفى طلاس ، المقاومة باختصار حرب شعبية ، حرب الشعب ضد الجيش النظامي ، انها الحرب يا عزيزي ، لا ينفع معها توصيفاتك الادبية ، و لا تعريفاتك التأملية ، انها ابنة الواقع و التجربة . ثم لا أعلم كيف فصلت تعسفيا بين المقاومة و السياسة !!! لم نسمع ممن مارس المقاومة عبر التاريخ انه حصل حقا الا بتلك المزاوجة ، فكيف استطعت انت بجرة قلم من خلف طاولتك او كرسيك الهزاز ، لا اعلم ، كيف استطعت فصلهما !!!
حديثك عن اوسلو ، فيه قدر كبير من المغالطات ، لا ادري هل هي ناتجة عن فقر في المعلومات و المطالعة ، ام عن استماعك المتكرر للمبررات الاميركية للشلل الذي لحق ب ” عملية السلام ” ، ام انك تتقصد رؤية نصف الصورة ،،، “عرفات لم يكبح جماح المقاتلين و المقتتلين بعد أوسلو ” ؟!!!!!! هذه جديدة !!! ما نعرفه تماما ، ان اكثر من 3000 الف فلسطيني زجوا في السجون عند تولي الرئيس عرفات زمام ” سلطته ” في رام الله ،، لا اعلم ان كنت تعرف الكثير عن معتقلي الكنيسة و فترة تولي جبريل الرجوب جهاز الامن الوقائي ، و دوره في اعتقال الكوادر و الناشطين في انتفاضة الاقصى !!!!
عن اي دولة كان من الممكن قيامها تتحدث !!!! تتحدث عن الفساد و اللاديمقراطية في السلطة و عن انها السبب في فشل قيام الدولة ، ثم تحدثنا عن اهمية قمع المقاتلين و المقتتلين ، و هؤلاء ، شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني ، يواجهون الميركافا في ساحات بيوتهم ، كما تواجه انت جريدة الغد كل صباح و انت في طريقك للنادي مثلا !!! اما ان تكون ديمقراطيا حداثيا ، و اما ان لا تكون ، الموضوع بسيط للغاية .
ثم اننا لا ندري ما هو ميزانك للوقائع الذي لا تزن المقاومة فيه افعالها !!!! ما نعرفه ان المقاومة اعطت بدل الهدنة عشرا ، و قالت بهدنة ل 25 سنة على غرار صلح الحديبية ، طيب ، ما الذي فعله الطرف الاخر في الصراع !!! اجتاح الضفة و المناطق أ ، ب ، ج و حاصر عرفات ، ثم قيل انه قتله ، اجتاح جنين ، دمر البنية التحتية لما يسمى سلطة ، ثم عاد و انقلب على نتائج الاقتراع الفلسطيني ، و اغتال القيادات في حماس و الجبهة الشعبية و لا يزال يعتقل الالاف من الاسرى ، حاصر القطاع ثلاث سنوات ، اخترق الهدنة بحسب الهيئة الدولية ، اكثر من 190 مرة ، نفذ اكثر من عملية اجتياح ،!!
المشكلة يا عزيزي ، ليست ان بعض الفصائل تتعامل مع فكرة المقاومة كمبدأ ، تصر على عدم تركه ، المشكلة هي في كون اسرائيل تتعامل مع المقاومة كمبدأ ، لا يمكن ان يوجد بوجودها ، رغم كونه شعور طبيعي و حق واقعي لشعب تحت الاحتلال !!!
الحديث طويل ، اسف على الاطالة ،