الأزمة العالميّة ثمرة انتهاك "سُنّة التدافع"

كتبهاHisham Ghanem ، في 24 تشرين الأول 2008 الساعة: 23:10 م

الأزمة الماليّة العالميّة التي ابتدأت بالولايات المتّحدة، معقل الرأسماليّة الأكبر والأعظم، وسرت عدواها في معظم دول العالم سريان الداء وفشوّه في الجسد؛ الأزمة هذه، تبعث على التدبّر في أصول استترت –ربّما- خلف حُجب كثيفة مِنَ الأخبار والأرقام والأسعار والمؤشّرات والحسابات والأرصدة والاحتياطيّات. وتناولُ الأصول هذه، أو تدبّرها، قد يدفع للزعم بأنّ الرأسماليّة “المتوحّشة” وجهٌ مِنْ وجوه الاشتراكيّة. ولعلّ الوجه هذا هو مناط الاشتراك بين المذهبين الاقتصاديّيْن المشهوريْن. ومناط الاشتراك هو نفيُ أصلٍ مِنْ أصول الحياة وعِلّةٍ مِنْ عِلل دوامها. وأصل الحياة هو التفاوت، والاختلاف هو عِلّة دوامها. فالناس، إذا تساووا وتشابهوا وتناظروا، وأقاموا على صورة واحدة، ومثالٍ واحد، ونظامٍ واحد، ولسانٍ واحد؛ هلكوا وماتوا.
 
ولكنّ التفاوت، في هذا المعرض، هو في أحوال التمدّن والاجتماع، وليس في العدل والإنصاف الذيْن يساويان بين البشر، بما هم إنسٌ يعيشون ويسعون ويحيون في عالم مشترك. والتفاوت، مِنْ وجه آخر، هو ضربٌ مِنَ “المساواة”. فالمساواة، هنا، هي بين الأشياء الكثيرة والمختلفة. واختلافها ليس فوضى، بل هو النظام للكلّ. والنظام هذا هو مسوّغ جعلُ المساواة ضرباً مِنَ التفاوت. والمساواة، إلى ذلك تستولد الكثرةَ وتبثّ فيها الوجود. فاختلاف الناس في الأعمال والأحوال، وانفراد كلّ واحد منهم بصنعة، واشتراكهم في حاجتهم بعضهم لبعض؛ تُحْدِث (أي الاختلاف والانفراد والاشتراك) نظامَ الاجتماع الإنسيّ. والمدينة هي قِوام الاجتماع. ومعراج الاجتماع إلى المدينة هو اختلاف آحاد المجتمع. فلمّا كان الإنس مدنيّين بطبائعهم، أي يحتاج كلّ واحد منهم إلى الآخر؛ وجب أنْ يكونوا متفاوتين ومفترقين ومختلفين. فإذا فارقَ واحدُهم الآخرَ، بعدما اغتنى، وتسامى إلى عليائه غيرَ محايث، آذنَ ذلك بالنقض على “قانون التدافع” فوق ما أرهص بالاكتفاء والغنى. فالواحد إذا اغتنى استغنى. وإذا استغنى كلّ واحد عن الآخر، بَطَلَ الاجتماع وهلكت المدينة. فمصدرُ ائتلاف الناس هو اختلافهم، ومبعث اجتماعهم هو افتراقهم.
 
والرأسماليّة، في طورها النيوليبراليّ، على نقيض دعواها التي تحمل الاقتصاد على المبادرة والإقدام و “العمل” و “المرور” بـ”حريّة”؛ تُخالف سُنّة التدافع والتفاوت مخالفة جليّة. فـ”التفاوت” الرأسماليّ النيوليبراليّ المزعوم، إنّما هو تفاوت بين مرتبتيْن أو “طبقتيْن”، اقتصاديّاً وسياسيّاً، وعلى نحوٍ ظالم ومجحف، وليس تفاوتاً بين آحاد المجتمع، مدنيّةً واجتماعاً، على ما تقدّم القول. وعلى هذا، فالتفاوت لا يمسي تفاوتاً إنْ هو اقتصر على كتلتين أو “طبقتين”. فإذا تفاوتَ الناس مرتبتين أو طبقتيْن، وعلى نحو فادح وجائر، أنذرَ ذلك بازدواج الشعب “شعبيْن”: “شعب” “الطبقة العاملة”، و “شعب” الأوليغارشيّة (الأقليّة الغنيّة) الرأسماليّة، المتحالفة مع “الدولة” (وقد تكون الأوليغارشيّة هذه هي “الدولة” نفسها)، غداة إخراجها مِنْ مسرح تنظيم “السوق” وضبط غلوائها وجموحها. والغلواء والجموح هذان يتعاظمان بسبب عين “الدولة” الكليلة عنهما، مِنْ وجه، وجرّاء الإشاحة عن طبائع الجشع والشرَه والاستغلال والاحتكار الملابِسة البشرَ منذ وُجِدوا وكانوا، مِنْ وجه آخر.
 
وإذا كانت الرأسماليّة “المتوحّشة” تنتهك سُنّة التدافع مِنْ طُرُق متعرّجة ومواربة؛ فالاشتراكيّة تجهر انتهاكَها السُّنّةَ هذه على رؤوس الأشهاد، مستعينة بنظريّات ومنظّرين. فمساواة البشر، مادّيّاً ومعنويّاً، بعضهم ببعض مِنْ غير نتوء ولا نبوّ (على المثال الاشتراكيّ في الحقبة الستالينيّة)، وإذابة الفروقات والتباينات بين الآحاد في مصهر السلطان المستولي على السلطة مِنْ وراء ظهر الآحاد، وبلوغ الآحاد هؤلاء مبلغ الوحدة التامّة؛ تفضي (أي المساواة والإذابة والبلوغ) إلى تصدّع روابط الأفراد بعضهم ببعض، جرّاء انصرام الفروقات بينهم. فالروابط أو الأواصر تقوم بين المختلفين، على نحو ما تتصدّع بين المؤتلفين. ويترتّب على انصرام الروابط وتصدّع الأواصر، ضمورٌ وذبولٌ يصيبان مَلَكات التفكير والتجريب والاختبار والسعي والإقدام والمبادرة والابتداء والاستئناف. وليس إنكارُ الاشتراكيّة الملْكيّةَ الفرديّة إلّا القرينة الكبرى على انتهاك سُنّة التدافع والتفاوت. فالملْكية الفرديّة تطرأ على البشر مِنْ خارج؛ أي أنّها ليست معطىً تجود به “الطبيعة”. فبواسطتها تتمايز القدرات والعقول والأفهام بعضها مِنْ بعض، على نحو ما تبرز التباينات بين مَنْ يسعى ويعمل ويتعب وبين مَنْ هو في الخدر والغاشية وسبات الغلس.
 
وموجز القول أنّ الرأسماليّة “المتوحّشة” والاشتراكيّة، تقتفيان إحداهما أثر الأخرى، مِنْ غير أنْ تحاكي إحداهما الأخرى. فعلى رغم الفرق الشكليّ الشاسع بينهما، إلّا أنّهما تردان مورداً واحداً، وتتوسّل كلاهما حجارتَها مِنْ المقلع نفسه. وهذان (المورد والمقلع)، دأبهما السعي في غاية واحدة، هي تقويض بنيان الجِبلّة الإنسيّة، بواسطة انتهاك الفرق والاختلاف والتفاوت والتدافع والمغايرة؛ على حين أنّ انتهاك هذه كلّها، هو نفي للحياة. فعندما يتدافع الإنس ويتنازعون ويختلفون ويتفاوتون، تتناسل الأفعال والحوادث بعضها مِنْ بعض، وتتراكم بعضها فوق بعض. ومِنْ ثنايا الحوادث والأفعال هذه ومِنْ تضاعيفها، ومِنْ صدوعها وشروخها، وعلى غفلة-ربّما- مِنْ صنّاع الحوادث والأفعال؛ تبزغ الحريّة، وتطلّ الحياة.
 
فلولا “اختلاف الألسن”( وهذا “آيات للعالمين”)، ولولا تفاوت المَلَكات، ولولا تدافع الأنفس، ولولا افتراق العقول، ولولا تنازع السجايا، ولولا المناقضة والمغايرة؛ لعاد الكونُ صعيداً يباباً مقفراً.
 
عن صحيفة “الغد”
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الأزمة العالميّة ثمرة انتهاك "سُنّة التدافع"”

  1. هل رايت نهرا جاري عذب مائه يصب بعزيمة ويرتوي منه الكثيرين في شتى البقاع هذا هو هشام

    لله درك .. رؤيتكَ هذه ذات ابعاد وتحمل عمقاً قويا لو احسن فهمه

    تقبل جل تحياتي هشام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر