الحركات الجهاديّة عَرَض مرض "الدولة" العربيّة

كتبهاHisham Ghanem ، في 24 أيلول 2008 الساعة: 23:42 م

كأنّ أهل “اليمن السعيد” ضحايا مرّتين، مرّةً حين “قاوموا” الاستعمار فلم يختلطوا بالعالم المشترك ولم يستعجموا أو يتهجّنّوا، فأقاموا محصّنين في ديارهم وخلف أسوارها المنيعة؛ ومرّةً حين غدا بلدهم “السعيد” مستقَرّ “القاعدة” ومستودعها، ومناخاً أناخت فيه وعليه خلاياها المتيقّظة و “النائمة”، والكامنة فيه كمونَ النار في العود.

 

ولعلّ عقدة كراهية العالم “الغريب” المختلط والمشترك والمهجّن والمستعجم، لا تزال تستوطن اليمن لا تبرحه. فـ”أبو غيث اليماني”، الناطق باسم “منظّمة الجهاد الإسلاميّ في اليمن”، في ختام “تبنّيه” النائبة التي نابت السفارةَ الأميركيّة بصنعاء (في 17 أيلول 2008)؛ لم يوارب في جهر ضغينته على كلّ ما هو “غريب” ومهجّن في أرض اليمن، ومِنْ غير تمييز بين “الأخوة” العرب (على ما ترطن “الأدبيّات” العربيّة و”الإسلاميّة”) وبين “الكفّار”؛ فهو هدّدّ بمواصلة الهجمات على المصالح الغربيّة والسفارات البريطانيّة والسعوديّة والإماراتيّة. وشرطَ كفّ يده ويد جماعته عن هؤلاء أجمعين بشرط الإفراج عن “إخواننا (”إخوانه”) المعتقلين خلال 48 ساعة”. وأردف تهديده باغتيال “شخصيّات كبيرة في الدولة”.

 

وجمعُ صاحبنا السفاراتِ الغربيّة والعربيّة، وسَوْقُها في سياقة واحدة ومتّصلة، وإلحاقُه “شخصيّات كبيرة” مِنَ الأهل والعشير؛ تكنّي (أي الجمع والسَّوْق والإلحاق)، بل تصرّح باستواء العالم فسطاطين متقابليْن لا سبيل إلى التقائهما أو لقائهما. ولا ريب في أنّ “السياسة” في هذين الفسطاطين ممتنعة، إنْ لم تكن مستحيلة. ومهلة الـ 48 ساعة، أي الشرط غير القابل للاستئناف أو الاستدراك أو الطعن أو المفاوضة أو السجال أو المراجعة (وهذه كلّها تقوم مقامَ معالم في طريق السياسة وشاراتها وراياتها)، المهلة أو الشرط هذا قرينة قويّة على امتناع السياسة واستحالتها. وأمّا استعماله لفظةَ “الدولة”، فالأرجح أنّه (الاستعمال) لا يعني الدولة على النحو الذي يقصده عامّة الناس، بل ربّما كانت اللفظة، وهي وردت في معرض تفجير واغتيال، كناية عن شتيمة أو وصمة. فالدولة، إنّما هي نقيض الاغتيال والتفجير، بما هي جسم ناجم عن السياسة. وهذه قامت، في أصلها وفصلها ومَنشئها لـ”تقليل الموت”، على ما لاحظ حكيم اليونان القديم.

 

وقد يكون مِنَ التعسّف حملُ الكوارث والرزايا التي تنزل بالبلدان العربيّة والإسلاميّة (أي التي يسكنها الناطقون بالعربيّة ومعتنقو الديانة الإسلاميّة)، على محمل الجماعات أو الحركات الجهاديّة وحدها، مِنْ غير إنكار إسهامها بسهم وافٍ ووافر في هذه الكوارث. فالحركات أو الجماعات هذه هي ثمرة عوامل “تاريخيّة” (على زعم “قيادات” الاستيلاء والانقلاب في نفسها وعن نفسها). وربّما كان العامل التاريخيّ الأهم في ذلك هو امتناع “الدولة” العربيّة وعسر تكوّنها على المثال الغربيّ، أي الدولة-الأمّة. وعلى هذا، فالحركات الجهاديّة عَرَض مرض “الدولة” العربيّة وليست المرض. فـ”مرض” الدولة هذه هو أنّها “لا دولة”.

 

فـ”الدولة” المفترضة هذه، حين مبدأ نشأتها في النصف الثاني مِنَ القرن العشرين، أو قبل ذلك بقليل وبعده بقليل أيضاً؛ لم تكن دولة على قدر ما كانت سلطة أوليغارشيّة استولت على الحكم مِنْ طريق الانقلاب. والسلطة هذه، في معظم البلدان العربيّة، كانت ولا تزال سلطةً على مثالٍ عصبيًّ عرقيّ. وقد يكون أهمّ “إنجاز” لها أنّها نجحت في إيهام العالم و “مجتمعِها” بأنّها “دولة”، حين هي نُصب عظيم مِنْ ورق مقوّى مكسوٌّ بكسوة رماديّة شاحبة، وخاوٍ مِنَ الروح. وفي أحسن الأحوال قد تكون جهازاً أو جسماً بيروقراطيّاً “سياسيّاً” مِنْ غير نظريّة.

 

وترتّبَ على استيلاء الأقليّة العصبيّة حؤولُ هذه بين “المجتمع” وبين قيام هذا بنفسه أو رأسه، وحلولُ الدولة في الجماعات مِنْ غير بقيّة، وصدور الجماعات عن الدولة مِنْ غير فرق، وائتلاف “الشعب” “أسرةً” أو كتلةً واحدة مِنْ غير تفاوت. وهذه كلّها (أي الحؤول والحلول والصدور والائتلاف) أبرز آيات “الاجتماع مِنْ غير مجتمع”. فإذا استوى الأمر على هذه الشاكلة، أي على الاجتماع مِنْ غير مجتمع، ولاسيّما أنّ هذا كان خلوّاً مِنَ النخب الثقافيّة والفكريّة، لأسباب تتعالى على الإحاطة في هذه العجالة؛ قامت الجماعات الراديكاليّة بسدّ مسدّ موقع الندّ حيال السلطة المستولية، ولم يلبث الندّ هذا أنْ استحال قوّة صدام أو مصادمة. وفي الأثناء، لا تكتفي “الدولة” بالانسلاخ عن “المجتمع”، بل تعزله وتتسلّط عليه. فـ”الدولة” العربيّة، ههنا، هي نقض على “المجتمع”. ولكنّ النقض هذا سوف يردّ عليه عنفٌ أعمى ومنفلت مِنْ كلّ عقال أو عقل. والتمثيل الجليّ على هذا الأمر هو الحالة المصريّة التي أرهص بها نظام الزعيم المصريّ جمال عبد الناصر، وبلغت ذروتها حين اغتيال خلفه أنور السادات.  

 

فإذا بلغ العنفُ ذرىً غير مسبوقة، وخِيف أنْ يؤدّي إلى تقويض بنيان السلطة المستولية؛ سعت السلطة هذه في إخراج الحركات الجهاديّة للجهاد في “الساحات” الخارجيّة المتطلّبة مِنْ غير شبع، وسهّلت خروجَها للتنعّم بالهدوء في الداخل، على ما حصل في إبّان الغزوّ السوفياتيّ على أفغانستان. وإذا بالمجاهدين، غداة انتهاء الحرب، يعودون إلى بلدانهم، بعد أنّ ظنّ السلطة إيّاها “أنّ لا تلاقيا”، على ما حسب مجنون بني عامر. وإذا بالعنف ينبعث مِنْ جديد، وإذا بـ”المجاهدين” يستأنفون حربهم “الأبديّة” في عقر الدار، وفي وسط “مجتمعات” مأزومة؛ أزماتها الداخليّة ثارات وضغائن و”هويّات مضطربّة”، على ما قال أحد أصحابنا، ومعضلاتها الخارجيّة حروب و “قضايا”.

عن صحيفة “الغد”

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر