العرب "آخَر" لا آخَر له…دفاعٌ عن العقل وليس عن "الكيان الصهيونيّ"

كتبهاHisham Ghanem ، في 12 أيلول 2008 الساعة: 12:16 م

يحسَب المرءُ السويّ أنّ حادي الكاتب أو سائقه الذي يحدوه أو يسوقه للكتابة، هو قولُ قولٍ جديد أو مُحدَث، لقارئ يسعى في المعرفة. ولا يقدح في الحسبان هذا كونُ “المعاني ملقاة على قارعة الطريق”، يسع الرائحون والغادون الغرفَ منها والعبارة عنها. فهي، (أي المعاني) لئن كانت ملقاة على الطريق أو على قارعتها؛ بقيَ أنّ غالبيّتها مكنونة ومستورة وثاوية في صدور الناس ومتصوَّرة في عقولهم ومتخلّجة في نفوسهم؛ فتحتاج إلى مَنْ يُحييها ويبعثها مِنْ مثاويها، مِنْ طريق ذكرها واستعمالها وإعمالها والخبر عنها واستيفائها أصولَ نقلها وعقلها. وهذا هو “الجديد”.

 

فإذا “ألّفّ” امرؤ طبيبٌ، ساكناً ومطمئناً، “كتاباً” ينقض مزاعم “الكيان الصهيونيّ” ويفنّدها، ويكاد لا يضيف كلمة جديدة واحدة على رأي “الأمّة” و “الصحافة” في الكيان هذا؛ لم يحل ذلك دون احتفاء أهل الرأي والفتوى الصحافيّة بـ”الكتاب” الساعي في “تفكيك” المقالة “اليهوديّة”. والحقّ أنّ الاحتفاء هذا ليس احتفاءً بصنيعٍ حادث أو جديد، بل هو احتفاء نشوة وانتشاء. فكتاب السيّد كامل العجلوني، الموسوم بـ”قبول الآخر في اليهودية…”، يماشي مزاعم الصحافة ولا يخرج عن مقالة “الأمّة”، ولا يحيد عن القَصص العاميّ الذي يحمل “الكيان الصهيونيّ” على الشرّ الأبديّ؛ فهو يغرّد داخل السرب، ويحاكي تغريدَ طيور السرب وعصافيره مِنْ غير عُجمة ولا نشاز. وعلى هذا، فالمحتفون بـ”الكتاب” إنّما يحتفلون بقناعات هي في صُلب عقولهم وأفهامهم. فجاء “الكتاب” لـ”يقنعهم” بما هم مقتنعون به أصلاً، ويطمئنهم إلى ما هم مطمئنون إليه ابتداءً. فلمّا تحقّقّ لهم ذلك، انتشوا نشوةَ مَنْ تحلو له الصورة المتصوَّرة أو المتوهّمة في ذهنه.

 

وقد لا يكون هذا كلّه الداعي الوحيد على النفرة مِنَ  “الكتاب” والازورار عنه؛ إنّما داعي النفرة والازورار (والخيبة؟) هو بعث الأهومة والأخيلة التي لا سند لها عقليّا ولا مَصْدق. فالقول إنّ “قبول الآخر في اليهوديّة ليس إلّا سراب”، يستأنف تقليداً عربيّاً “تاريخيّاً” يجوهر الأشياء والحوادث. والتقليد هذا لا يرى إلى العالم بما هو دول وأفراد وسياسات، إنّما جوهر ناجز مِنْ غير صورة ولا مادّة ولا عرَض ولا هيولى. وإذا بسياسات “الكيان الصهيونيّ” محمولة على طبائع مستترة وأزليّة، وهي شرٌّ محض لا يصدر عن دولة و أفراد، بل هو ناجم عن بنية م ورائيّة تسري في الدماء “اليهوديّة”. ومَنْ هذا شأنه، لا ريب في أنّ قبوله الآخرَ (”العربيّ” في هذا المعرض) ليس إلّا السراب. فلا يعرف القارئ إنْ كانت هذه “الحقيقة” التي تجري مجرى البديهة في أفهام العامّة، تحتاج إلى “كتاب” يوثّقها و”يؤرّخ” لها.

 

ولعلّ أحد دواعي العجب هو غفلة “مؤلّفي” “الكتب” عن مسارح الضغائن والثارات المحليّة أو “الأهليّة”، وانصرافهم إلى ردّ دعاوى العدوّ. فلا يخلّف غياب الديمقراطيّة عن “دولهم” ندوباً أو جروحاً في “كتبهم” ومقالاتهم. فهم يسكتون عن الاضطرابات الأهليّة ومَقاتل المقاومات، وتصديعها الدولَ والمجتمعات. ويغضون عن أنظمة الاستيلاء والتسلّط. ويسهون عن جبال الجثث وأنهار الدم في العراق والسودان والجزائر. وهذا كلّه ينهض علَماً على ثقافة “نخبة” عربيّة تقصر الشرّ على فاعلين، هم، بديهة، “الكيان الصهيوني” و “الإمبرياليّة” وبعض دول العالم “المتأمرك”، على ما لا يتعفّف كثر من الزعم. ولا يقتصر الأمر على حصر الشرّ بالفاعلين مِنْ دون الأفعال، بل يتقدّم الفاعلُ على الفعل ويتستّر عليه. فإذا كان الفاعل هو صدّام حسين على سبيل المثال، جاز التسامح معه بل ومديحه، وأمّا إذا كان الفاعل منتمياً إلى “الكيان الصهيونيّ”، انتصب ذلك آيةً مِنْ آيات رفض “قبول الآخر”. ولكنّ حمل الشرّ على صفة فاعله وليس على صفة الأفعال، هو نقض صريح على العقل، وانتهاك لأصول معرفيّة عريقة. وكان المعتزلة أوّل مَنْ ندّدوا بربط الشرّ بالفاعل وليس بالفعل، وأنكروا ذلك إنكاراً تامّاً. فذهبوا إلى إبطال تعليق التقبيح والتحسين على الفاعل وليس على الفعل.

 

وأمّا عبارة “قبول الآخر”، فتنطوي، بدورها، على مفارقة طريفة. فعلى حين ينفي “العربُ” “الآخرَ” ويُخرجونه مِنْ دائرة الإنسيّة المشترَكة، يعودون ويسألونه أنْ “يقبلهم”. و”الآخر” هذا، على صَغاره ووضاعته، لا يليق به أنْ “يُقبل” ممّن يزعمون أنّه لا “يقبلهم”. فإذا قيل “آخر”، انصرف المعنى إلى أنّ “العرب” هم على الدوام “الآخر”، وهم “آخر” لا آخَر له؛ فـ”الآخر” “اليهوديّ” والصليبيّ لا يستحقّ صفة “الآخر” ولا يستوي “آخر” إلّا ليؤدّي مهمّة واحدة: “قبول الآخر العربيّ”! وربّما احتيج إلى “الآخر” هذا ليتأكّد أصحابنا أنّهم كائنون، فلا “كونَ” لهم أو كينونة إذا امتنع “الآخر” اليهوديّ أو الصليبيّ مِنْ أنْ يكون. وعلى نحو ما لم يَجُزْ لـ”الآخر” اليهوديّ والصليبيّ أنْ يطلب إلى “العرب” أنْ “يقبلوه”؛ لم يَجُزْ له، كذلك، أنْ يرى رأيَه في العرب وفي أحوالهم. وتعليلُ ذلك يسير. فـ”العرب”، بما هم على حقٍّ دوماً وأبداً، ولا يتطرّق إلى “قضيّتهم” شكّ أو لبس؛ اقتضى ذلك أنّ لا خارج لهم، ولا يصحّ أنْ يُرى إليهم مِنْ خارج. فإذا رُؤي إليهم مِنْ خارج، ولاسيّما مِنْ قِبَل “اليهود” والصليبيّين، لم تكن الرؤية إلّا استشراقاً و “غزواً ثقافيّا” وهراءً ونباحاً.

 

ولا تخرج دعوة وزيرة خارجيّة سويسرا (في 25/8) إلى الحوار مع “القاعدة” عن هذا الباب؛ أي باب الاستشراق و “الغزوّ الثقافيّ” وربّما المكر والغدر. فهؤلاء الأوروبيّون المساكين، حين يسعون في الحوار مع القاعدة، إنّما يتلّهون بالسياسة. ولا يكتفون بذلك، بل يريدون إلهاء “المقاومة” بها. وهذا كلّه لم يستوقف “مؤلّفي” الكتب وكتبة المقالات. فـ”اليهوديّة” هي ما “أعيا الطبيب المداويا”، على زعم أحد الواقفين على الأطلال.

 

عن جريدة “الغد”

النص باللون الأحمر حذفته الصحيفة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “العرب "آخَر" لا آخَر له…دفاعٌ عن العقل وليس عن "الكيان الصهيونيّ"”

  1. عزيزي هشام
    انهم يتشدقون ويجعرن بالثوابت الوطنيه والثوابت القوميه والثوابت الاسلاميه من اجل مصالحهم فقط وليس من اجلنا نحن البسطاء حيث لاتعنينا هذه المفاهيم بشيء لانها جوفاء وفارغه فالانسان انسان اينما كان وثابته الوحيد هو الحصول على حقوقه الانسانيه اينما كان



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر