هجاء الاستثمار… ارتداد إلى "الطبيعة" ونكوص عن التأنّس

كتبهاHisham Ghanem ، في 26 أغسطس 2008 الساعة: 21:52 م

في الأردن، وفي الأردن فقط، ودوناً عن ممالك الله وأصقاعه، يُندَّد بالاستثمار. والمندّدون بالاستثمار على صنفين. ويندّد أهل الصنف الأوّل بالاستثمار بما هو استثمار أو مِنْ حيث هو استثمار، أي “مِنْ حيث المبدأ”، إذا جاز الحديث عن “مبدأ” في هذا المعرض. ويلبس “المبدأُ” هذا لباساً أيديولوجيّاً؛ “يساريّا” تارةً و”وطنيّاً” طوراً. فيدعو أهلُ الصنف هذا الناسَ إلى الدوران يساراً (”إلى اليسار دُرْ”)، مِنْ غير خجل أو اعتذار عن هذا القول الحربيّ العسكريّ، مِنْ وجه، والآمر الناهي المنتشي بأمره ونهيه، مِنْ وجه آخر. والمندّدون بالاستثمار، مِنَ الصنف الثاني، هم (بعض) “جماهير” تستقي “عِلْمها” و “معرفتها” مِنْ مضارب إلكترونيّة “إخباريّة”. وليس التنديد بالاستثمار هو وجه العجب والغرابة وحسب؛ بل دوافع هذا التنديد ودواعيه هي التي ربّما تستحقّ إعمال النظر.
 
فحادي ما يسمّى “اليسار” إلى هجاء الاستثمار، على ما لا تتكتّم مقالة “اليسار” هذا، هو “المحافظة على مقدّرات الوطن”، و”الحؤول دون اختراق أجهزة الدولة وقطاعها العام”، و”صيانة النسيج الاجتماعيّ مِنَ التفكّك”، و “التصدّي لزحف غابات الإسمنت”. وتبدو العناوين هذه، للوهلة الأولى، برّاقة. ولكنّ الوهلة الثانية كفيلة بتبديد البريق هذا وصرمه. فـ”المحافظة على مقدّرات الوطن” تفترض أنّ الاستثمار “عدوّ” يسعى في سرقة “مقدّرات الوطن”. ولا يسع العارف بـ”أدبيّات” “اليسار” سوى التسليم مِنْ غير احتجاج بـ”السرقة” ووصم المستثمر بـ”العدوّ”. فلمّا كان الاستثمار ابن الرأسماليّة “المتوحّشة”، وأحد الأركان التي تنهض عليها الليبراليّة، بما هي حريّة انتقال رأس المال؛ جاز نعت الاستثمار بـ”العدوّ”.
 
وأمّا “اختراق أجهزة الدولة وقطاعها العام”، فلا ينفكّ مِنَ المنزع “اليساريّ” المشهور، الذي يقوم على ازدراء الفرد والمبادرة الفرديّة والإزراء بهما، لصالح “الأمّة” والجماعة. فالدولة و”قطاعها العامّ”، بحسب الزعم المتقدّم، ينبغي أنْ يُنصَّبا سلطاناً عظيماً ووصيّاً على الأفراد. ولا يستوقف القائلين بهذا القول ما حصل ويحصل في العالم مِنْ عولمة وانفتاح، وتراجُع في دور القطاع العام، مثلما لم يستوقفهم إسهام القطاع العام الأردنيّ بسهم وافر في تعليم الكسل، وانتشار الفساد، وشيوع “الثقافة” الاتّكاليّة. وعلى هذا، فالقول بتعزيز القطاع العام سعياً في نهوض الاقتصاد، هو في منزلة مداواة الداء بمثله، على طريقة أبي نوّاس الشاعر.
 
ولعلّ “التصدّي لزحف غابات الإسمنت” ينمّ عن دلالات عميقة تنطوي عليها معاداة الاستثمار وهجاؤه. فتقديس الطبيعة، مِنْ طريق الحؤول بينها وبين العمران وإقامة المباني السياسيّة والرسوم المدينيّة، والسعي في نقاء “الطبيعة” مِنَ الصناعة الحادثة؛ هما (التقديس والسعي) أهم مكوّنات الحركات القوميّة المتعصّبة. وقد تكون الدعوة “اليساريّة” الملحّة إلى تبجيل الأرض والزراعة، مصدق القول المتقدّم. وقد تتقدّم “الصناعة”، في المنطوق “اليساريّ”، على الطبيعة، في حال واحدة فقط، هي صناعة الأسلحة. ولكنّ صناعة السلاح هي عَود مُوارب ومِنْ طريقٍ خفيّة إلى الطبيعة والغابة الوارفة. فهذه، نقضٌ على المدينة التي لا تستوي مدينةً مِنْ غير قانون وحقّ. والسلاح قد لا يستطيب هدفاً مثلما يستطيب القانونَ والحقّ.
 
وعلى خلاف البصر المنقلب خاسئاً حسيراً جرّاء فشله في وجدان تفاوتٍ وفطورٍ في خلق السماوات؛ لا ينقلب البصرُ “اليساريّ” الحديد خاسئاً أو حسيراً حين “تحليله” الحوادثَ والوقائعَ، فأصحاب البصر هذا لا يرون صدوعاً وشقوقاً وفطوراً في روايتهم الحوادثَ والوقائعَ على غير حقيقتها. وهنا، تقع المقالة “اليساريّة” في تضارب وتنازع وتدافع. فعلى رغم تنديدها بالاستثمار وحملِ الضائقة المعيشيّة على محمله؛ تعود وتنفي هذا الاستثمار وتقلّل مِنْ شأنه، بل وتنكره إنكاراً تامّاً على نحو ما تنكر إسهامَه في النموّ الاقتصاديّ. فإذا بتقرير مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (يونكتاد) عن الأردن ليس سوى تشبيه وتخييل وأضغاث؛ وهو التقرير الذي أقرّ بوجود استثمارات بلغت قيمتها في عام 2007 ثلاثة مليارات دينار.
 
وترطن “الجماهير” الإلكترونيّة، هانئة وسعيدة، برطانة أهل (أو أُهيْل، تصغيراً عدديّاً-مادّيّاً وليس معنويّاً) “اليسار”. فإذا قيل استثمار ومستثمرون، شهقت الجماهير ازوراراً ونفرةً و”تقزّزاً”. ولا يلبث الازورار والنفرة و “التقزّز” أن ينقلب خَطابةً وهجاءً. ويُلغَى في الهجاء والخَطابة هذين لغواً مسترسلاً. واللغو هذا، يخلط الوطنيّة بالعصبيّة، والفردَ بالجماعة، والسماءَ بالأرض، والسياسيّ بالثقافيّ، والأرض “المقدّسة” بالمنفعة والمصلحة. فالمستثمر غريبٌ دخيلٌ وطارئٌ وظاعن، لا أصل له ولا نَسَب، فهو قادم مِنْ عالم المهجّنين والأغيار، ليدمّرّنا ويذيبنا بواسطة “الغزوّ الثقافيّ”. ومَنْ لا أصل شريفاً له أو نسباً ينتسب به أو إليه، وجب الابتعاد منه ومقاتلته. فالأصل الشريف والنسب الأصيل يودي بالمرء إلى تنكّب المشاركة والمخالطة والتأنّس والتعدّد والتنوّع والكثرة والانخراط في العالم المشترك. وهذا والحقّ يُقال، يؤدّي إلى مفارقة النفس أو النفوس طبعَها و”طبيعتَها” وتفريقَها بعضها عن بعض. وهو إلى ذلك ومِنْ غير شكّ، ثقيل وعسير على النفوس النقيّة والزكيّة، التي لا تشوبها شائبة أو فطور.
 
و”عذرُ” الجماهير ربّما- هو أنّ رطانة أهل “اليسار” تخاطب وعياً حسّاساً لديها. والرطانة هذه قد “تصدق” أحياناً و”تصيب”. ومصدر “صدقها” هو أنّ أصحابها أو صاحبها مِنَ المقاليّين اليوميّين، أي يردّد عشرات المواقف يوميّاً، وفي الأثناء، قد يُدعى إلى “ندوة تلفزيونيّة”، أو “أمسية ثقافيّة”، أو “فعاليّة شعبية”، أو “اعتصام جماهيريّ”؛ فيجهر عدداً كبيراً مِنَ “المواقف” ويخبط في جميع شؤون الأولى والآخرة. فإذا خبط خمسين موقفاً في الأسبوع الواحد، فربّما حقّقّ “إصابة”، أو خُيّل له أنّها إصابة.
 
عن صحيفة الغد
النص ذو اللون الأحمر حذفته صحيفة الغد لسبب لا يعلمه غير الله
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر