كيف انقلب محمود درويش مِنْ شاعر إلى مراسل حربيّ لـ"القضيّة"؟

كتبهاHisham Ghanem ، في 18 أغسطس 2008 الساعة: 09:58 ص

مَنْ يقرأ رثاء محمود درويش في صفحات الصحف، يحار في أمرهما (أمر الرثاء وأمر محمود درويش معاً). ومصدر حيرة الواحد في الأمرين هو شكّه في ذاكرته (ذاكرة الواحد). فالذاكرة هذه، تقول إنّ درويش كان شاعراً (وهو كان يحبّ أنْ يتسمّى “مغنيّاً”) حملَ الشعرَ على الفنّ والحريّة، وردَّ هذين إلى “حقّ النفس في التعرّف على نفسها”. وتعرّفُ النفس على نفسها يفصل سماتها وسمات الجماعة بعضهما مِنْ بعض. ومِنْ طريق الانفصال هذا يستوي المرء امرءاً أو انسيّاً تامّ الخِلقة والإنسيّة والفرديّة. وعليه، فالشعر، وفق درويش، فعلٌ ذاتيّ وفرديّ وإنسانيّ، وهو إلى ذلك، مشروط بالفنّ.

 

وتُخالفُ الحالُ هذه الحالَ التي رسمها معلّقون وصحافيّون ومناضلون للرجل الأنيق والمهذّب. فالرجل هذا في مرآة المناضلين هؤلاء ليس سوى كائن هلاميّ يقرض الشعر “المقاوم” ويتعاطى الأدب الفخيم. ويختزل الإقراضُ والتعاطي هذان الطودَ الفلسطينيّ في كنايات ركيكة واستعارات مأخوذة أو مقتطعة مِنْ دواوينه الأولى، حين هو أنكرها وتستّر عليها في دواوينه اللاحقة. فيُخلَص مِنْ هذا أنّ صورة درويش الأولى، أي مطالع الستّينات، لم تفارقه ولم تبرحه. فهو أقام على الحال هذه على رغم تبدّل الأحوال والقضايا. والأدق القول إنّ المناضلين الصحافيّين هم مَنْ أقاموا وأقاموه على حاله الأولى. فإذا رثى الراثون المناضلون الرجلَ صبّوه في قالب معدنيّ لم يتغيّر أو يتبدّل؛ فهو “عاشق مِنْ فلسطين”، وهو صاحب “سجّل أنا عربي” و “عابرون في كلام عابر”، على رغم تبرّؤه مِنْ هذه “القصائد” وسعيه في طمسها وإلحاحه المرير في الصدوف عنها.

 

وعلى نحو ما لم ينفكّ يردّد أنّه ليس “مراسلاً حربيّاً للقضيّة الفلسطينيّة”؛ لم ينفكّ المناضلون يطلبون إليه تسجيل يوميّات “القضيّة” وتوثيقها، وكتابتها “شعراً” يمجّد مَقاتلها وكِسفها وانحدارها وانحلالها صراعاتٍ “أخويّة”، تتولّاها عائلات وعصبيّات. فلمّا كاد الرجل أنْ يحمل الشعرَ على الشعر فقط، أي “الفنّ للفنّ”، نعى عليه المناضلون “تخاذلَه” و “خيبته”، وأنكروا عليه سعيه في أنْ يكون ما يكونه البشر “العاديّون”، الذين “يشربون القهوة”، وينخطفون بـ”زهر اللوز”، ويشعرون بـ”القشعريرة مِنْ مطر الخريف الأوّل”، ويواعدون البنات، ويمارسون الحبّ، ويذهبون إلى الحمّام.

 

فهذه كلّها لا يليق بالبشر أنْ يأتوها أو تأتيهم. فاللعب واللهو والفرح والحبّ والقشعريرة، قرائن على “الخفّة”. وبعض المناضلين يحملها على “الميوعة”. وأحد أصحابنا لم يكتم ضغينته على “لاجئ” مِنَ “البقعة” حاول أنْ يجهر فرحته و “ميوعته” بواسطة ألعاب ناريّة. فما حاجة “اللاجئ” إلى الفرح حين “فلسطين لم تحرَّر بعد”، على ما يحتسب المناضل العجوز؟ فينبغي، على زعم مَنْ لا يرون إلى البشر إلّا آلات تصمد وتصدّ وتتصدّى، أنْ يذوب البشريّ في “القضيّة” ويفنى في الجماعة. فلا يبقى مِنْ ملامح الفرد ملمح يلمح إليه منه ويُستدّل به عليه ويكنّى عنه فيه.

 

وقد يشكّ الرائي إلى مديح مدّاحي درويش في معرض رثائه، أو راثيه في معرض مديحه، في أنّ الرجل الخَفِر والخفيض الجناح، مِنْ طينة البشر. فالطين يعتوره الكونُ والفساد (أي الصيرورة والتغيّر)، هذا على حين أنّ أصحابنا ينفون “التفاوت” (القرآنيّ) عن الرجل متعدّد الوجوه والصوَر والأدوار والاحوال. فهو مثبّت اسماً ورسماً وصورةً في سجن “المقاومة” و “البطولة” والنضال. فلا يتسلّل إليه فرق أو تباين أو اختلاف أو تدافع أو ضعف أو نسيان، وهي صفات الكائنات الفاسدة. فالبشر، في أصل جِبلّتهم وبدء خلقهم، افترقوا مجتمعين، واجتمعوا مفترقين، واختلفوا مؤتلفين، وائتلفوا مختلفين.

 

وربّما كان الباعث على نفي “التفاوت” عن درويش هو أنّ رثاءه ليس سوى ذريعة إلى مديح الذات المتورّمة، مِنْ وجه، ومديح “القضيّة” وما آلت إليه على أيدي المناضلين، مِنْ وجه آخر. فالمدّاحون هؤلاء، حين يصرفون بعض “شاعريّتهم” في مدح الرجل، إنّما يسعون في ردّ “التفاوت” عن تاريخهم الذي هو تاريخ “مشرّف” و رائع مِنْ غير شكّ ولا مرية. وعلى هذا، فـ”القضيّة” هي الممدوح الحقيقيّ، ودرويش هو الذريعة التي يتذرعون بها في سبيل “القضيّة” هذه.

 

فهم يقتطعون مِنْ سيرة الراحل الكبير ما يماشي مزاعمهم عن “الأمّة” “والقضيّة”، ويُخرجون الأجزاء المقتطعة هذه مِنْ سيرة الرجل ومسيرته، ويُدرجونها في سياق عظيم وعريض هو سياق الأمّة العظيمة والقضيّة المقدّسة، ويتناولونها على مثال بطوليّ وملحميّ. وهذه كلّها (أي الاقتطاع والإخراج والإدراج والتناول)، تحيل البشر إلى تماثيل وأنصاب في قبور كلاميّة “شعريّة”. فيغدو الممدوح وثناً يُبلَغ مِنْ طريقه إلى “القضيّة” التي لا تحول ولا تزول، وإلى “صواب” “القضيّة” هذه وتحجيرها و “تأبيدها”، على رغم أنّ الممدوح “يريد أنْ يستريح ويصالح”، فهو “ضيف على الأبديّة والتاريخ”. فإذا صحّ أنّ التاريخ “يسخر مِنَ الضحيّة والمعتدي” على حدّ واحد وسواء؛ أفلا تستقيم الحيوات والسِّيَر والتراجم بغير “قضيّة” وملحمة ونضال و “مقاومة”؟

 

http://alghad.jo/index.php?article=10068

هشام غانم

hisham@3c.com.sa

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر